السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٣ - باب الهجرة الثانية إلى الحبشة
صدرت، فجاء إليه و مسكه، فجعل يقول له: أرسلني و إلا أموت الساعة، فلم يرسله فمات من ساعته، و سيأتي بعد غزوة بدر أنهم أرسلوا للنجاشي عمرو بن العاص أيضا و عبد اللّه بن أبي ربيعة.
هذا و كان اسمه قبل أن يسلم بجيرا، فلما أسلم سماه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه، و أبو ربيعة الذي هو أبو عبد اللّه، كان يقال له ذو الرمحين، و أم عبد اللّه هي أم أبي جهل بن هشام، فهو أخو أبي جهل لأمه أرسلوهما إليه ليدفع لهما من عنده من المسلمين ليقتلوهم فيمن قتل ببدر.
و من العجب أن صاحب المواهب ذكر أن إرسال قريش لعمرو بن العاص و عبد اللّه بن أبي ربيعة و معهما عمارة بن الوليد في الهجرة الأولى للحبشة، و إنما كان عمرو و عمارة في الهجرة الثانية، و ابن أبي ربيعة إنما كان مع عمرو بعد بدر كما علمت، و إن كان يمكن أن يكون عبد اللّه بن أبي ربيعة أرسلته قريش مرتين إلا أنه بعيد.
و يرده قول بعضهم: إن قريشا أرسلت في أمر من هاجر إلى الحبشة مرتين:
الأولى أرسلت عمرو بن العاص و عمارة. و الثانية أرسلت عمرو بن العاص و عبد اللّه بن أبي ربيعة فليتأمل.
و مكث بنو هاشم في الشعب ثلاث سنين. و قيل سنتين في أشد ما يكون في البلاء و ضيق العيش، و ولد عبد اللّه بن عباس في الشعب، فمن قريش من سره ذلك، و منهم من ساءه و قالوا: انظروا ما أصاب كاتب الصحيفة: أي من شلل يده كما تقدم؛ و صار لا يقدر أحد أن يوصل إليهم طعاما و لا أدما حتى أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام و معه غلام يحمل قمحا يريد عمته خديجة زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هي معه في الشعب؛ فتعلق به و قال: أ تذهب بالطعام إلى بني هاشم، و اللّه لا تذهب أنت و طعامك حتى أفضحك بمكة، فقال له أبو البختري بن هشام: ما لك و ما له؟ فقال أبو جهل: إنما يحمل الطعام لبني هاشم، فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده أ فتمنعه أن يأتيها؟ خل سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البحتري لحى بعير: أي العظم الذي تنبت عليه الأسنان فضربه فشجه و وطئه وطئا شديدا. و أبو البختري- بالحاء المهملة- و في مختصر أسد الغابة- بالخاء المعجمة- ممن قتل ببدر كافرا؛ و حتى أن هاشم بن عمرو بن الحارث العامري رضي اللّه تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك- أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أجمال طعاما، فعملت بذلك قريش، فمشوا إليه حين أصبح و كلموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم؛ ثم أدخل عليهم ثانيا جملا و قيل جملين، فعلمت به قريش فغالظته:
أي أغلظت له القول و همت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه يصل رحمه، أما