السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨١ - باب الهجرة الثانية إلى الحبشة
و إلا منعتهم منهما و أحسنت جوارهم ما جاوروني، ثم أرسل لنا و دعانا، فلما دخلنا سلمنا، فقال من حضره: ما لكم لا تسجدون للملك؟ قلنا، لا نسجد إلا اللّه عز و جلّ، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم و لم تدخلوا في ديني و لا في دين أحد من الملل، فقلنا: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، و نأكل الميتة، و نأتي الفواحش، و نقطع الأرحام، و نسيء الجوار، و يأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث اللّه لنا رسولا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، و ذلك الرسول منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه، فدعانا إلى اللّه تعالى لنوحده و نعبده، و نخلع: أي نترك ما كان يعبد آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان، و أمرنا أن نعبد اللّه تعالى وحده، و أمرنا بالصلاة، أي ركعتين بالغداة و ركعتين بالعشي، و الزكاة، أي مطلق الصدقة، و الصيام أي ثلاثة أيام من كل شهر: أي و هي البيض أو أي ثلاثة على الخلاف في ذلك. و أمرنا بصدق الحديث، و أداء الأمانة، و صلة الأرحام و حسن الجوار، و الكف عن المحارم و الدماء؛ أي و نهانا عن الفواحش، و قول الزور، و أكل مال اليتيم، و قذف المحصنة، فصدقناه و آمنا به، و اتبعناه على ما جاء به، فعدا علينا قومنا ليردونا إلى عبادة الأصنام و استحلال الخبائث، فلما قهرونا و ظلمونا و ضيقوا علينا، و حاولوا بيننا و بين ديننا خرجنا إلى بلادك و اخترناك على من سواك، و رجوناك أن لا نظلم عندك يا أيها الملك، فقال النجاشي لجعفر: هل عندك مما جاء به شيء؟ قلت نعم. قال: فاقرأه عليّ، فقرأت عليه صدرا من كهيعص، فبكى و اللّه النجاشي حتى اخضل، أي بل لحيته و بكت أساقفته، و في لفظ: هل عندك مما جاء به عن اللّه تعالى شيء؟ فقال جعفر نعم، قال: فاقرأه عليّ، قال البغوي: فقرأ عليه سورة العنكبوت و الروم ففاضت عيناه و أعين أصحابه بالدمع، و قالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب، فقرأ عليهم سورة الكهف فقال النجاشي: هذا و اللّه الذي جاء به موسى: أي و في رواية: إن هذا و الذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، أي و هذا كما قيل يدل على أن عيسى كان مقررا لما جاء به موسى، و في رواية بدل موسى عيسى، و يؤيده ما في لفظ أنه قال: ما زاد هذا على ما في الإنجيل إلا هذا العود لعود كان في يده أخذه من الأرض.
و في لفظ أن جعفرا قال للنجاشي: سلهما أ عبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال عمر: بل أحرار، فقال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماء بغير حق فيقتص منا؟ هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه؟ فقال عمرو: لا، فقال النجاشي لعمرو و عمارة: هل لكما عليهما دين؟ قالا: لا، قال:
انطلقا، فو اللّه لا أسلمهم إليكما أبدا، زاد في رواية: و لو أعطيتموني ديرا من ذهب