السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٠ - باب الهجرة الثانية إلى الحبشة
خلف من عنده من المسلمين فدخلوا عليه، فإذا هو قد لبس مسحا و قعد على التراب و الرماد، فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟ فقال: إنا نجد في الإنجيل أن اللّه سبحانه و تعالى إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث للّه تواضعا، و إن اللّه تعالى قد أحدث إلينا و إليكم نعمة عظيمة، و هي أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) التقى هو و أعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك، كنت أرعى فيه الغنم لسيدي، و هو من بني ضمرة، و إن اللّه تعالى قد هزم أعداءه فيه، و نصر دينه.
و ذكر السهيلي أن بكاءه عند ما تليت عليه (سورة مريم) أي كما سيأتي حتى أخضل لحيته، يدل على طول مكثه ببلاد العرب حتى تعلم من لسان العرب ما فهم به تلك السورة.
قال: و عن جعفر بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا خير جار و أمنا على ديننا، و عبدنا اللّه تعالى لا نؤذي و لا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا رجلين جلدين، و أن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، و كان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا و لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية: أي هيئوا له هدية؛ و لا يخالف ما تقدم من أن الهدية كانت فرسا وجبة ديباج، لأنه يجوز أن يكون بعض الأدم ضم إلى تلك الفرس و الجبة للملك، و بقية الأدم فرق على أتباعه ليعاونوهما على ما جاء بصدده، و الاقتصار على الفرس و الجبة في الرواية السابقة لأن ذلك خاص بالملك. ثم بعثوا عمارة بن الوليد و عمرو بن العاص يطلبان من النجاشي أن يسلمنا لهم: أي قبل أن يكلمنا، و حسن له بطارقته ذلك، لأنهما لما أوصلا هداياهم إليهم قالوا لهم: إذا نحن كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم لنا قبل أن يكلمهم: أي موافقة لما وصت عليه قريش.
فقد ذكر أنهم قالوا لهما: ادفعوا لكل بطريق هدية قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما للنجاشي هداياه، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، فلما جاءا إلى الملك قالا له: أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء؛ فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينك، جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن و لا أنت: أي جاءهم به رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول اللّه و لم يتبعه منا إلا السفهاء، و قد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم ليردوهم إليهم؛ فهم أعلم بما عابوا عليهم، فقال بطارقته: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلم بهم فأسلمهم لهما ليرداهم إلى بلادهم و قومهم، فغضب النجاشي و قال: لاها اللّه، أي لا و اللّه لا أسلمهم، و لا يكاد قوم يجاوروني و نزلوا بلادي و اختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كان كما يقولان سلمتهم إليهما،