السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦٧ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
فقال: يا رسول اللّه، هذا عمر بن الخطاب متوشحا سيفه، نعوذ باللّه من شره، فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، و إن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه».
و في لفظ أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن جاء بخير قبلناه، و إن جاء بشر قتلناه» و في لفظ «إن يرد بعمر خير يسلم، و إن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ائذن له، فأذن له الرجل و نهض إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى لقيه في صحن الدار، فأخذ بحجزته و جذبه جذبة شديدة و قال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟
فو اللّه ما أدري أن تنتهي حتى ينزل اللّه بك قارعة».
و في لفظ «أخذ بمجامع ثوبه و حمائل سيفه، و قال: ما أنت منته يا عمر حتى ينزل اللّه بك من الخزي و النكال ما أنزل اللّه بالوليد بن المغيرة» أي أحد المستهزئين به (صلى اللّه عليه و سلم) كما تقدم، فقال عمر: «يا رسول اللّه جئت لأؤمن باللّه و رسوله أشهد أنك رسول اللّه» و في رواية «أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، فكبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تكبيرة عرفت» و في رواية «سمعها أهل المسجد».
و في رواية «لما جاء دفع الباب فوجد بلالا وراء الباب، فقال بلال: من هذا؟
فقال: عمر بن الخطاب، فقال: حتى استأذن لك على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال بلال: يا رسول اللّه عمر بالباب، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن يرد اللّه به خيرا أدخله في الدين، فقال لبلال: افتح له، و أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بضبعه فهزه».
و في رواية: «أخذ ساعده و انتهزه؛ فارتعد عمر هيبة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و جلس» و في لفظ «أخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، ما الذي تريد و ما الذي جئت له؟ فقال عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه فقال: تشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله فأسلم عمر مكانه».
أقول: و لا ينافي هذا ما تقدم من إسلامه و إتيانه بالشهادتين في بيت أخته قبل خروجه إليه (صلى اللّه عليه و سلم): و قوله و لم يعلموا إسلامي، لأنه يجوز أن يكون مراده بقوله جئت لأؤمن جئت لأظهر إيماني عندك و عند أصحابك، و عند ذلك قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
«أسلم يا بن الخطاب» إلى آخره، و قوله للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): اعرض عليّ الذي تدعو إليه يجوز أن يكون عمر جوّز أن الذي يدعو إليه و يصير به المسلم مسلما أخص مما نطق به من الشهادتين، و اللّه أعلم. قال عمر: و أحببت أن يظهر إسلامي و أن يصيبني ما يصيب من أسلم من الضرر و الإهانة، فذهبت إلى خالي و كان شريفا في قريش و أعلمته أني صبوت: أي و هو أبو جهل.