السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦٣ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
يصيبني لنقص كبير، فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك و قد رددت إليك جوارك، قال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي و أنت في ذمتي فأكفيك ذلك؟ قال: لا و اللّه ما اعترض لي أحد و لا آذاني، و لكن أرضى بجوار اللّه عز و جل و أريد أن لا أستجير بغيره، قال: انطلق إلى المسجد فاردد إليّ جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان صدق، و قد وجدته وفيا كريم الجوار، و لكني لا أستجير بغير اللّه عز و جل، قد رددت عليه جواره، فقال الوليد أشهدكم أني بريء من جواره إلا أن يشاء، ثم انصرف عثمان و لبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل
فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:
و كل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه. فمن سفاهته فارق ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه و الوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما و اللّه يا بن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، و لقد كنت في ذمة منيعة فخرجت منها، و كنت عن الذي لقيت غنيا، فقال عثمان رضي اللّه تعالى عنه: بل كنت إلى الذي لقيت فقيرا، و اللّه إن عيني الصحيحة التي لم تلطم لفقيره إلى مثل ما أصاب أختها في اللّه عز و جل، ولي فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، و إني لفي جوار من هو أعزّ منك انتهى، فعثمان فهم أن لبيدا أراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الآخرة و من ثم قال له نعيم الجنة لا يزول. لا يقال: لو لا أن لبيدا يريد مطلق النعيم الشامل لنعيم الآخرة لما تشوش من الردّ عليه. لأنا نقول: يجوز أن يكون تشوشه من مشافهة عثمان له بقوله كذبت.
على أن هذا السياق دالّ على أن لبيدا قال هذا الشعر قبل إسلامه، و يؤيده ما قيل: أكثر أهل الأخبار على أن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، و به يردّ ما في الاستيعاب أن هذا: أي قوله: ألا كل شيء إلى آخره شعر حسن، فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، و كذلك قوله:
و كل امرئ يوما سيعلم سعيه* * * إذا كشفت عند الإله المحاصل
و قد يقال: لا يلزم من قوله المذكور الذي لا يصدر غالبا إلا عن مسلم أن يكون قاله في حال إسلامه، كما وقع لأمية بن أبي الصلت حيث قال في شعره ما لا