السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦١ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
قال: و قيل إن هاتين الكلمتين لم يتكلم بهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و إنما ارتصد الشيطان سكتة عند قوله الأخرى، فقالهما محاكيا نغمته (صلى اللّه عليه و سلم)، فظنهما النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كما في «شرح المواقف» و من سمعه أنهما من قوله (صلى اللّه عليه و سلم): أي حتى قال: قلت على اللّه ما لم يقل، و تباشر بذلك المشركون، و قالوا إن محمدا قد رجع إلى ديننا: أي دين قومه حتى ذكر أن آلهتنا لتشفع لنا، و عند ذلك أنزل اللّه تعالى قوله وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحجّ:
الآية ٥٢] أي قراءته ما ليس من القرآن: أي مما يرضاه المرسل إليهم. و في البخاري «إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: الآية ٥٢] يبطله ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: الآية ٥٢] أي يثبتها وَ اللَّهُ عَلِيمٌ [الحج: الآية ٥٢] بالقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ (٥٢) [الحج: الآية ٥٢] في تمكينه من ذلك، يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الإيمان من المتزلزل فيه، و لم أقف على بيان أحد من الأنبياء و المرسلين وقع له مثل ذلك.
و فيه كيف يجترئ الشيطان على التكلم بشيء من الوحي. و من ثم قيل: هذه القصة طعن في صحتها جمع و قالوا إنها باطلة وضعها الزنادقة: أي و من ثم أسقطها القاضي البيضاوي. و من جملة المنكرين لها القاضي عياض، فقد قال: هذا الحديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، و لا رواه ثقة بسند سليم متصل و إنما أولع به المفسرون المؤرخون، المولعون بكل غريب.
أي و قال البيهقي: رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم. و قال الإمام النووي نقلا عنه و أما ما يرويه الإخباريون و المفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل، و لا من جهة العقل، لأن مدح إله غير اللّه كفر، و لا يصح نسبة ذلك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لا أن يقوله الشيطان على لسان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لا يصح تسليط الشيطان على ذلك: أي و إلّا يلزم عدم الوثوق بالوحي.
و قال الفخر الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال اللّه تعالى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: الآيتان ٣ و ٤] أي الشيطان لا يجترئ أن ينطق بشيء من الوحي. و قال بصحتها جمع منهم خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر، و قال: رد عياض لا فائدة فيه، و لا يعول عليه، هذا كلامه، و فشا أمر تلك السجدة في الناس حتى بلغ أرض الحبشة أن أهل مكة: أي عظماءهم قد سجدوا و أسلموا حتى الوليد بن المغيرة، و سعيد بن العاص.
و في كلام بعضهم: و الناقل لإسلامه أنه لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اعتقد أنهم أسلموا و اصطلحوا معه، و لم يبق نزاع معهم، فطار الخبر