السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦٠ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
و بعضهم فعل ذلك عجزا، و ممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب، فقد جاء «و فيها سجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سجد معه المؤمنون و المشركون و الجن و الإنس، غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، و قال يكفي هذا».
و لا يخالف ذلك ما نقل عن ابن مسعود «و لقد رأيت الرجل أي الفاعل لذلك قتل كافرا» لأنه يجوز أن يكون المراد بقتل مات «فعند ذلك قال المشركون له (صلى اللّه عليه و سلم):
قد عرفنا أن اللّه تعالى يحيي و يميت و يخلق و يرزق، و لكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و جلس في البيت».
و فيه أنه كيف يكبر عليه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن اللّه ينزل عليه ما يقارب بينه و بين المشركين حرصا على إسلامهم المتقدم ذلك عن سيرة الدمياطي، إلا أن يقال هذا كان بعد ما عرض السورة على جبريل، و قال له: ما جئتك بهاتين الكلمتين المذكور ذلك في قولنا: «فلما أمسى (صلى اللّه عليه و سلم) أتاه جبريل: فعرض عليه السورة و ذكر الكلمتين فيها، فقال له جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
قلت على اللّه ما لم يقل أي فكبر عليه ذلك- فأوحى اللّه تعالى إليه ما في سورة الإسراء وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ [الإسراء:
الآية ٧٣] بموافقتك لهم على مدح آلهتهم بما لم نرسل به إليك و إذا لو فعلت أي دمت عليه لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: الآية ٧٣] إلى قوله ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء:
الآية ٧٥] أي مانعا يمنع العذاب عنك، و هذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحي إليه.
و قيل نزل ذلك لما قال له اليهود حسدا له (صلى اللّه عليه و سلم) على إقامته بالمدينة: لئن كنت نبيا فالحق بالشام لأنها أرض الأنبياء حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج برحله فنزلت، فرجع أي بدليل ما بعدها. و قيل إن التي بعدها نزلت في أهل مكة و قيل إن آية وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: الآية ٧٣] نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خلالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، و لا نحشر، و لا ننحني في صلاتنا، و كل ربا لنا فهو لنا، و كل ربا علينا فهو موضوع عنا، و أن تمتعنا باللات سنة، و أن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن اللّه أمرني.
و قيل نزلت في قريش قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلمّ بآلهتنا و تمسها بيدك.
و قد يدعى أن هذا مما تعدد أسباب نزوله، و القاضي البيضاوي اقتصر على ما عدا الأول، و اللّه أعلم.