السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥٦ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
جهنم. و قد قرأتها عائشة رضي اللّه تعالى عنها كذلك أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) [الأنبياء: الآية ٩٩] شق على كفار قريش و قالوا لعبد اللّه بن الزبعرى: قد زعم محمد أنا و ما نعبد من آلهتنا حصب جهنم، فقال ابن الزبعرى: أنا أخصم لكم محمدا ادعوه لي، فدعوه له، فقال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون اللّه؟ فقال: بل لكل من عبد من دون اللّه، فقال ابن الزبعرى: أخصمت و رب هذه البنية. يعني الكعبة- أ لست تزعم يا محمد أن عيسى عبد من دون اللّه و كذا عزير و الملائكة، عبدت النصارى عيسى و اليهود عزيرا و بنو مليح الملائكة، فضج الكفار و فرحوا فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) [الأنبياء: الآية ١٠١] يعني عيسى و عزيرا و الملائكة، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.
باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
لما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما نزل بالمسلمين من توالي الأذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على انقاذهم مما هم فيه، قال لهم: تفرقوا في الأرض فإن اللّه تعالى سيجمعكم قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: هاهنا و أشار بيده إلى جهة أرض الحبشة؛ قال: و في رواية «قال لهم اخرجوا إلى جهة أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد؛ أي و هي أرض صدق حتى يجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فيه» انتهى. أي و يجوز أن يكون قال ذلك عند استفساره (صلى اللّه عليه و سلم) عن محل اشارته. فقد جاء في الحديث «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض و إن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة، و كان رفيق أبيه إبراهيم خليل اللّه و نبيه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)» فهاجر إليها ناس ذو عدد مخافة الفتنة، و فرارا إلى اللّه تعالى بدينهم. و منهم من هاجر بأهله. و منهم من هاجر بنفسه؛ فممن هاجر بأهله عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، هاجر و معه زوجته رقية بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان أول خارج. و قيل أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن أبي عمرو. و قيل سليط بن عمرو، و لا ينافيهما قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط» أي حيث قال إني مهاجر إلى ربي فهاجر إلى عمه إبراهيم الخليل، ثم هاجرا عليهما الصلاة و السلام حتى أتيا حران، ثم هاجرا إلى أن نزل إبراهيم عليه الصلاة و السلام فلسطين، و نزل لوط عليه الصلاة و السلام المؤتفكة.
و وجه عدم المنافاة أن كلا من حاطب و سليط يجوز أن يكون هاجر بغير أهله