السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥٥ - باب عرض قريش عليه
أي فقد تكرر نزول الآية، و اللّه أعلم.
قال: و من استهزاء النضر بن الحارث أنه كان إذا جلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مجلسا يحدّث فيه قومه و يحذرهم ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة اللّه تعالى خلفه في مجلسه و يقول لقريش: هلموا فإني و اللّه يا معشر قريش أحسن حديثا منه، يعني النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «ثم يحدثهم عن ملوك فارس، لأنه كان يعلم أحاديثهم و يقول: ما حديث محمد إلا أساطير الأولين.
و يقال إنه الذي قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: الآية ٩٣] انتهى: أي لأنه ذهب إلى الحيرة و اشترى منها أحاديث الأعاجم ثم قدم بها مكة فكان يحدث بها و يقول:
هذه كأحاديث محمد عن عاد و ثمود و غيرهم. و يقال إن ذلك كان سببا لنزول قوله تعالى:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: الآية ٦].
قال في الينبوع: و المشهور أنها نزلت في شراء المغنيات. و قال: و لا بعد في أن تكون الآية نزلت فيهما ليتحقق العطف في قوله تعالى: وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً [لقمان: الآية ٧] أي فإن هذا الوصف الثاني إنما يناسب النضر، فليتأمل، و لما تلا عليهم (صلى اللّه عليه و سلم) نبأ الأولين قال النضر بن الحارث: لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين، فأنزل اللّه تعالى تكذيبا له قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: الآية ٨٨] أي معينا له.
و جاء «أن جماعة من بني مخزوم منهم أبو جهل و الوليد بن المغيرة تواصوا على قتله (صلى اللّه عليه و سلم)، فبينما النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قائما يصلي سمعوا قراءته، فأرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه فجعل يسمع قراءته و لا يراه، فانصرف إليهم و أعلمهم بذلك فأتوه، فلما سمعوا قراءته قصدوا الصوت، فإذا الصوت من خلفهم، فذهبوا إليه فسمعوه من أمامهم و لا زالوا كذلك حتى انصرفوا خائبين، فأنزل اللّه تعالى قوله: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) [يس: الآية ٩] و تقدم في سبب نزولها غير ذلك. و يمكن أن يدعي أنها نزلت لوجود الأمرين فليتأمل.
و جاء «أن النضر بن الحارث رأى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) منفردا أسفل ثنية الحجون فقال: لا أجده أبدا أخلى منه الساعة فأغتاله، فدنا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليغتاله، فرأى أسود تضرب بأذنابها على رأسه فاتحة أفواهها فرجع على عقبه مرعوبا فلقي أبا جهل فقال:
من أين؟ فأخبره النضر الخبر، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره».
و مما تعنتوا به أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: الآية ٩٨] أي وقودها. و حصب بالزنجية حطب: أي حطب