السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١١ - باب استخفائه
أهل البطحاء و أنا العزيز الكريم، فأنزل اللّه تعالى فيه ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدّخان: الآية ٤٩] كذا قاله الواحدي: أي تقول له الزبانية عند إلقائه في النار ما ذكر توبيخا له.
و من ذلك ما حدث به بعضهم قال: لما أنزل اللّه تعالى سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: الآية ١] جاءت امرأة أبي لهب و هي أم جميل و اسمها العوراء، و قيل اسمها أروى بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب، و لها ولولة، و في يدها فهر: أي بكسر الفاء و سكون الهاء حجر يملأ الكف، فيه طول يدق به في الهاون إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و معه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، فلما رآها قال: يا رسول اللّه إنها امرأة بذية: أي تأتي بالفحش من القول، فلو قمت لتؤذيك، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إنها لن تراني» فجاءت فقالت: يا أبا بكر صاحبك هجاني: أي و في لفظ: ما شأن صاحبك ينشد فيّ الشعر؟ قال لا و ما يقول الشعر أي ينشئه. و في لفظ: لا و رب هذا البيت ما هجاك، و اللّه ما صاحبي بشاعر و ما يدري ما الشعر: أي لا يحسن إنشاءه، قالت له: أنت عندي تصدق، و انصرفت: أي و هي تقول:
قد علمت قريش أني بنت سيدها: أي تعني عبد مناف جدّ أبيها، و من كان عبد مناف أباه لا ينبغي لأحد أن يتجاسر على ذمه، قلت: يا رسول اللّه لم لم ترك؟ قال: «لم يزل ملك يسترني بجناحه» أي فقد جاء في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لأبي بكر: «قل لها: هل ترين عندي أحدا، فسألها أبو بكر، فقالت أ تهزأ بي، و اللّه ما أرى عندك أحدا».
أقول: و في الإمتاع أنها جاءت و هو (صلى اللّه عليه و سلم) في المسجد معه أبو بكر و عمر رضي اللّه تعالى عنهما و في يدها فهر، فلما وقفت على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أخذ اللّه على بصرها فلم تره و رأت أبا بكر و عمر، فأقبلت على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، فقالت: أين صاحبك؟ قال و ما تصنعين به؟ قالت بلغني أنه هجاني، و اللّه لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه، فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه: ويحك إنه ليس بشاعر، فقالت إني لا أكلمك يا ابن الخطاب: أي لما تعلمه من شدته، ثم أقبلت على أبي بكر لم تعلمه من لينه و تواضعه، فقالت: و الثواقب أي النجوم إنه لشاعر و إني لشاعرة: أي فكما هجاني لأهجونه و انصرفت، فقيل لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إنها لن تراك، فقال إنها لن تراني، جعل بيني و بينها حجاب: أي لأنه قرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى: وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) [الإسراء: الآية ٤٥] و في رواية أقبلت و معها فهران و هي تقول:
مذمما أبينا** * * و دينه قلينا*
و أمره عصينا
فقالت: أين الذي هجاني و هجا زوجي، و اللّه لئن رأيته لأضربن أنثييه بهذين الفهرين. قال أبو بكر: فقلت لها يا أم جميل و اللّه ما هجاك و لا هجا زوجك، قالت: و اللّه ما أنت بكذاب، و إن الناس ليقولون ذلك، ثم ولت ذاهبة، فقلت: يا