السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٧ - باب ذكر وضوئه و صلاته
و قبل ذلك كان يستقبل الكعبة إلى أي جهة من جهاتها «و لما صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بصلاة جبريل، قال جبريل: هكذا الصلاة يا محمد، ثم انصرف جبريل، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خديجة و أخبرها، فغشي عليها من الفرح، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل فتوضأت كما توضأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم صلى بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما صلى به جبريل عليه الصلاة و السلام».
و في سيرة الحافظ الدمياطي ما يفيد أن ذلك كان في يوم نزول جبريل عليه الصلاة و السلام له ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] حيث قال: بعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الاثنين و صلى فيه، و صلت خديجة آخر يوم الاثنين، و يوافقه ظاهر ما جاء «أتاني جبريل في أول ما أوحي إليّ فعلمني الوضوء و الصلاة، فلما فرغ الوضوء أخذ غرفة من الماء فنضح بها فرجه «أي رش بها فرجه أي محل الفرج من الإنسان، بناء على أنه لا فرج له، و كون الملك لا فرج له لو تصور بصورة الإنسان استدل عليه بأنه ليس ذكرا و لا أنثى، و فيه نظر، لأنه يجوز أن يكون له آلة ليست كآلة الذكر و لا كآلة الأنثى كما قيل بذلك في الخنثى و يقال لذلك فرج.
و بعض شراح الحديث حمل الفرج على ما يقابل الفرج من الإزار، و بذلك استدل أئمتنا على أنه يستحب لمن استنجى بالماء أن يأخذ بعد الاستنجاء كفا من ماء و يرش في ثيابه التي تحاذي فرجه، حتى إذا خيل له أن شيئا خرج و وجد بللا قدّر أنه من ذلك الماء، و لعل هذا هو المراد بقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «علمني جبريل الوضوء، و أمرني أن أنضح تحت ثوبي مما يخرج من البول بعد الوضوء» أي دفعا لتوهم خروج شيء من البول بعد الوضوء لو وجد بلل بالمحل.
و عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما «كان ينضح سراويله حتى يبلها» و ما جاء «أنه لما أقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١]، قال له جبريل: انزل عن الجبل، فنزل معه إلى قرار الأرض قال: فأجلسني على درنوك. بالدال المهملة و الراء و النون: أي و هو نوع من البسط ذو خمل- ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء، فتوضأ منها جبريل» الحديث فمشروعية الوضوء كانت مشروعية الصلاة التي هي غير الخمس، و إن ذلك كان في يوم نزول جبريل باقرأ، و هو مخالف لقول ابن حزم: لم يشرع الوضوء إلا بالمدينة.
و مما يرد ما قاله ابن حزم نقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أنه لم يصل (صلى اللّه عليه و سلم) قط إلا بوضوء، قال: و هذا مما لا يجهله عالم، هذا كلامه، إلا أن يقال مراد ابن حزم أنه لم يشرع وجوبا إلا في المدينة، و هو الموافق لقول بعض المالكية إنه كان قبل الهجرة مندوبا: أي و إنما وجب بالمدينة بآية المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ [المائدة: الآية ٦] الآية.
و يرده ما في الإتقان أن هذه الآية مما تأخر نزوله عن حكمه يعني قوله تعالى: