السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٤ - باب بدء الوحي له
جبريل به سابق على اقتران إسرافيل به.
هذا، و في كلام الحافظ السيوطي أن مجيء إسرافيل كان بعد ابتداء الوحي بسنتين، قال كما يعرف ذلك من سائر طرق الأحاديث، و هو بظاهره يرد ما في «سفر السعادة» أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما بلغ تسع سنين أمر اللّه تعالى إسرافيل أن يقوم بملازمته.
و لما بلغ إحدى عشرة سنة أمر جبريل بملازمته (صلى اللّه عليه و سلم) فلازمه تسعا و عشرين سنة فليتأمل.
و عن يحيى بن بكير قال: ما خلق اللّه خلقا في السموات أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا قرأ في السماء يقطع على أهل السماء ذكرهم و تسبيحهم.
ثم رأيت في فتح الباري: ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين: أي على ما تقدم ما بين نزول اقرأ و يا أيها المدثر عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن عليه فقط هذا كلامه: أي فكان جبريل يأتي إليه بغير قرآن بعد مجيئه إليه باقرأ، و لم يجئ إليه بالقرآن الذي هو يا أيها المدثر إلا بعد الثلاث سنين على ما تقدم، ثم في تلك المدة مكث أياما لا يأتيه أصلا، ثم جاءه بيا أيها المدثر، فكان قبل تلك الأيام يختلف إليه هو و إسرافيل، و هذا السياق كما لا يخفى يؤخذ منه عدم المنافاة بين كون مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما يقول ابن إسحاق، و سنتين و نصفا كما يقول السهيلي، و سنتين كما يقول الحافظ السيوطي، و بين كونها أياما أقلها ثلاثة و أكثرها أربعون كما تقدم عن ابن عباس، لأن تلك الأيام التي كانت لا يرى فيها جبريل أصلا على ما تقدم: أي و لا يرى فيها إسرافيل أيضا. و في غير تلك الأيام كان يأتيه بغير القرآن، و حينئذ لا يحسن رد الحافظ فيما سبق على السهيلي. و ينبغي أن تكون تلك الأيام التي لا يرى فيها جبريل و إسرافيل هي التي يريد فيها أن يلقي نفسه من رءوس شواهق الجبال، و هذا السياق أيضا يدل على أن النبوة سابقة على الرسالة بناء على أن الرسالة كانت بيا أيها المدثر، و يصرح به ما تقدم من قول بعضهم نبأه بقوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] و أرسله بقوله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) [المدثر: الآيات ١- ٤] و أن بينهما فترة الوحي و عليه أكثر الروايات.
و قيل النبوة و الرسالة مقترنان، و لعل من يقول بتلك يقول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [دلت على طلب الدعوة إلى اللّه تعالى، و هذا غير إظهار الدعوة و المفاجأة بها الذي دل عليه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فليتأمل.
و ذكر السهيلي أن من عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من الحالة التي هو عليها، فلاطفه الحق سبحانه و تعالى بقوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] فبذلك علم رضاه الذي هو غاية مطلوبه، و به كان يهون عليه