السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٣ - باب بدء الوحي له
السهيلي لا يثبت. و قد عارضه ما جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن مدة الفترة كانت أياما أي و أقلها ثلاثة: أي و تقدم ما فيه. قال: قال بعض الحفاظ:
و الظاهر- و اللّه أعلم- أنها أي مدة الفترة كانت بين اقرأ و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر:
الآية ١] هي المدة التي اقترن معه فيها إسرافيل كما قال الشعبي انتهى.
أقول: و يوافق ذلك ما في الاستيعاب لابن عبد البر أن الشعبي قال: أنزلت عليه النبوة و هو ابن أربعين، و قرن بنبوته إسرافيل عليه الصلاة و السلام ثلاث سنين و قد تقدم ذلك.
و في الأصل عن الشعبي «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين و يأتيه بالكلمة من الوحي و لم ينزل القرآن» أي شيء منه على لسانه «ثم و كل به جبريل فجاءه بالوحي و القرآن» و هو موافق في ذلك لما في سيرة شيخه الحافظ للدمياطي حيث قال: قال بعض العلماء: و قرن به إسرافيل، ثم قرن به جبريل، و هو ظاهر في أن اقتران إسرافيل به كان بعد النبوة، و يؤيده قوله: «و يأتيه بالكلمة من الوحي» و محتمل لأن يكون ذلك قبل النبوة، فيوافق ما تقدم عن الماوردي، لكن تقدم أنه كان يسمع حسه و لا يرى شخصه؟ إلا أن يقال: لا يلزم من كونه يتراءى له أن يراه، و قوله يأتيه بالكلمة من الوحي هو معنى قوله يأتيه بالشيء بعد الشيء، ثم رأيت الواقدي أنكر على الشعبي كون إسرافيل قرن به أولا. و قال:
لم يقترن به من الملائكة إلا جبريل: أي بعد النبوة، و يحتمل مطلقا. قال بعضهم:
ما قاله الشعبي هو الموافق لما هو المشهور المحفوظ الثابت في الأحاديث الصحيحة، و خبر الشعبي مرسل أو معضل، فلا يعارض ما في الأحاديث الصحيحة هذا كلامه.
ثم رأيت الحافظ ابن حجر نظر في كلام الواقدي بأن المثبت مقدم على النافي إلا إن صحب النافي دليل نفيه فيقدم، هذا كلامه.
لا يقال: قد وجد الدليل، فقد جاء «بينا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) جالس و عنده جبريل إذ سمع نغيضا: أي هدة من السماء، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط» قال جماعة من العلماء: إن هذا الملك إسرافيل. لأنا نقول هذا مجرد دعوى لا دليل عليها؟ و لا يحسن أن يكون مستندهم في ذلك ما في الطبراني عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما. سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، و لا يهبط على أحد بعدي و هو إسرافيل، فقال أنا رسول ربك» الحديث.
و من ثم عدّ السيوطي من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) هبوط إسرافيل عليه، إذ ليس في ذلك دليل على أن إسرافيل لم يكن نزل إليه قبل ذلك حتى يكون دليلا على أن اقتران