السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧١ - باب بدء الوحي له
ابن العربي رضي اللّه تعالى عنه، فهذا علم حاصل لا عن قوة من القوى الحسية أو المعنوية، و هذا لا يبعد أن يقع مثله للأولياء بطريق الإرث: أي تجلى له الحق بالتجلي الخاص الذي ما ذكر عبارة عنه. و في رواية «فعلمت علم الأولين و الآخرين» أي و من حالات الوحي رؤيا النوم، قال (صلى اللّه عليه و سلم): «رؤيا الأنبياء وحي» كما تقدم.
و من حالات العلم الذي يلقيه اللّه تعالى في قلبه عند الاجتهاد في الأحكام بناء على ثبوته لا بواسطة ملك، و بذلك فارق النفث في الروع.
و بذكر هذه الأنواع للوحي يعمل أن ما تقدم من حصره في الحالتين المذكورتين عند سؤال الحارث له (صلى اللّه عليه و سلم) أغلبيّ أو أن ما عداهما وقع بعد سؤال الحارث له.
و في «ينبوع الحياة» عن ابن جرير «ما نزل جبريل بوحي قط إلا و ينزل معه من الملائكة حفظة يحيطون به و بالنبي الذي يوحي إليه، يطردون الشياطين عنهما، لئلا يسمعوا ما يبلغه جبريل إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، من الغيب الذي يوحيه إليه، فيلقوه إلى أوليائهم» ثم رأيته في «الإتقان» ذكر أن من القرآن ما نزل معه الملائكة مع جبريل تشيعه، من ذلك سورة الأنعام، شيعها سبعون ألف ملك، و فاتحة الكتاب شيعها ثمانون ألف ملك، و آية الكرسي شيعها ثمانون ألف ملك، و سورة يس شيعها ثلاثون ألف ملك وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [الزّخرف: الآية ٤٥] شيعها عشرون ألف ملك، و لعل هذا لا ينافي ما تقدم من أن الغرض من تساقط النجوم عند البعثة حراسة السماء من استراق الشياطين لما يوحى، لجواز أن يكون هذا لحفظ ما يوحى من استراقه في الأرض و بين السماء و الأرض.
و عن النخعي: إن أول سورة أنزلت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] قال الإمام النووي: و هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف و الخلف، هذا كلامه.
و لا يخفى أن مراد النخعي بالسورة هنا القطعة من القرآن: أي أوّل آيات أنزلت، فلا ينافي ما تقدم من رواية عمرو بن شرحبيل مما يدل على أن أول سورة أنزلت فاتحة الكتاب، لأن المراد أول سورة كاملة نزلت لا في شأن الإنذار، فلا ينافي ما تقدم من رواية جابر مما يقتضي أن أوّل ما نزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] لأن المراد بذلك أوّل سورة كاملة نزلت في شأن الإنذار بعد فترة الوحي: أي فإنها نزلت قبل تمام نزول سورة اقرأ، و هذا الجمع تقدم الوعد به، أي لكن يشكل عليه ما في الكشاف عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «ما نزل عليّ القرآن إلا آية آية و حرفا حرفا، ما خلا سورة براءة- و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١]- فإنهما أنزلتا عليّ و معهما سبعون ألف صف من الملائكة» فإن هذا السياق يدل على أنه لم ينزل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) سورة كاملة إلا براءة و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] و يخالفه ما في «الإتقان» أن مما نزل جملة سورة الفاتحة و سورة الكوثر، و سورة تبت، و سورة لم يكن، و سورة النصر و المرسلات و الأنعام. لكن ذكر ابن