السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٥٨ - باب بدء الوحي له
ماء باردا فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] أي الملتف بثيابه قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) [المدثر: الآية ٢ و ٣]»، و لم يقل بعد فأنذر و بشر لأنه كما بعث بالنذارة بعث بالبشارة لأن البشارة، إنما تكون لمن آمن و لم يكن أحد آمن قبل، و هذا يدل على أن هذه الآية أول ما نزل: أي قبل اقرأ و أن النبوّة و الرسالة مقترنان.
قال الإمام النووي: و القول بأن أول ما نزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] ضعيف باطل، و إنما نزلت بعد فترة الوحي: أي و مما يدل على ذلك قوله: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء» و مما يدل على ذلك أيضا ما في البخاري أن في رواية جابر أنه (صلى اللّه عليه و سلم) حدث عن فترة الوحي أي لا عن ابتداء الوحي. فما تقدم من قول بعضهم يعني عن ابتداء الوحي فيه نظر، و كذا في قول الراوي عن جابر «جاروت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت» لأن جواره بحراء كان قبل فترة الوحي، إلا أن يقال جابر جاء عنه روايتان: واحدة في ابتداء الوحي، و أخرى في فترة الوحي، و بعض الرواة خلط، فإن صدر الرواية يدل على أن ذلك كان عند ابتداء الوحي، و عجزها بدل على أن ذلك كان في فترة الوحي.
هذا، و يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) جاور بحراء في مدة فترة الوحي. و يؤيد ذلك ما في البيهقي عن مرسل عبيد بن عمير «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يجاور في كل سنة شهرا و هو رمضان، و كان ذلك في مدة فترة الوحي» و سيأتي الجمع بين الروايات في أول ما نزل. و عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير «أنه حدث عن خديجة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال نعم» أي و ذلك قبل أن يأتيه بالقرآن: أي بشيء منه، و هو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] بناء على أنه أول ما نزل. و لا ينافي ذلك قولها: «هذا الذي يأتيك إذا جاءك» لأن المعنى الذي يتراءى لك إذا رأيته، فجاءه جبريل عليه الصلاة و السلام، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني: أي قد رأيته، لكن سيأتي عن ابن حجر الهيتمي أن ذلك كان بعد البعثة، «قالت: قم يا بن عمي فاجلس على فخذي، فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجلس على فخذها، قالت: هل تراه؟ قال نعم، قالت، فتحول فاجلس في حجري، فتحول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال نعم، فألقت خمارها و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال لا، قالت: يا ابن عمي اثبت و أبشر فو اللّه إنه لملك ما هذا بشيطان» و إلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:
و أتاه في بيتها جبرائيل* * * و لذي اللب في الأمور ارتياء
فأماطت عنها الخمار لتدري* * * أ هو الوحي أم هو الإغماء
فاختفى عند كشفها الرأس جبر* * * يل فما عاد أو أعيد الغطاء
فاستبانت خديجة أنه الكن* * * ز الذي حاولته و الكيمياء