السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٤ - باب بدء الوحي له
ثلاث مرات، الأولى على يد أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه. و ذلك قبل أن يرى جبريل. و الثانية التي رأى فيها جبريل و سمع منه و لم يجتمع به، و ذلك عند اجتماعه (صلى اللّه عليه و سلم) به في المطاف. و الثالثة التي بعد مجيء جبريل له يقظة بالقرآن أي باقرأ باسم ربك على المشهور، من أنه أوّل ما نزل، و ذلك على يد خديجة، و لا ينافي ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر كما سيأتي أن القصة واحدة لم تتعدد و مخرجها متحد، لأن مراده قصة مجيء جبريل له يقظة باقرأ باسم ربك و سيأتي ما فيه.
و إنما قال ورقة له (صلى اللّه عليه و سلم) يا ابن أخي، قيل لأنه يجتمع مع عبد اللّه والد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في قصيّ فكان عبد اللّه بمثابة الأخ له أو أنه قال ذلك توقيرا له و إنما ذكر ورقة موسى دون عيسى عليهما الصلاة و السلام، مع أن عيسى أقرب منه و هو على دينه لأنه كان على دين موسى، ثم صار على دين عيسى عليهما الصلاة و السلام أي كان يهوديا. ثم صار نصرانيا، أي لأن نبوّة موسى عليه الصلاة و السلام مجمع عليها أي على أنها ناسخة لما قبلها، و أن شريعة عيسى عليه الصلاة و السلام، قيل إنها متممة و مقررة لشريعة موسى عليه الصلاة و السلام لا ناسخة لها، قيل و لأن ورقة كان ممن تنصر أي كما علمت، و النصارى لا يقولون بنزول جبريل على عيسى عليه الصلاة و السلام أي بل كان يعلم الغيب، لأنهم يقولون فيه إنه أحد الأقانيم الثلاثة اللاهوتية و ذلك الأقنوم هو أقنوم الكلمة التي هي العلم حل بناسوت المسيح و اتحد به، فلذلك كان يعلم علم الغيب و يخبر بما في الغد.
أقول: و فيه أن في رواية «و إنك على مثل ناموس موسى و عيسى عليهما الصلاة و السلام» أي ففي بعض الروايات جمع و في بعضها اقتصر على موسى. و في الاقتصار على موسى دون الاقتصار على عيسى ما علمت، ثم رأيت أنه جاء في غير الصحيح الاقتصار على عيسى فقال هذا الناموس الذي نزل على عيسى، فهو كما جاء الجمع بينهما جاء الاقتصار على كل منهما.
و لا ينافي ذلك أي مجيء جبريل لعيسى ما تقدم عن النصارى من أنهم لا يقولون بنزول جبريل على عيسى، لجواز أن يكون المراد لا ينزل عليه دائما و أبدا بالوحي، بل في بعض الأحيان، و في بعضها يعلم الغيب بغير واسطة. ثم رأيت في فتح الباري أن عند إخبار خديجة لورقة بالقصة قال لها هذا ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية، و عند إخبار النبي (صلى اللّه عليه و سلم) له بالقصة قال له هذا ناموس موسى للمناسبة بينهما لأن موسى أرسل بالنقمة على فرعون، و قد وقعت النقمة على يد نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) على فرعون هذه الأمة الذي هو أبو جهل، هذا كلامه فليتأمل. و قد جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال في حق أبي جهل في يوم بدر «هذا فرعون هذه الأمة» و اللّه أعلم.
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «جاءه الملك سحرا» أي سحر يوم الاثنين