السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٣ - باب بدء الوحي له
قال «ثم حدثتها بالذي رأيت»: أي من سماع الصوت و رؤية جبريل، و قوله له:
يا محمد أنت رسول اللّه، فقالت أبشر يا ابن عمي و اثبت، فو الذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها: أي التي تتجمل بها عند الخروج.
ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه رأى و سمع: أي رأى جبريل و سمع منه أنت رسول اللّه و أنا جبريل، فقال ورقة: قدوس قدوس بالضم و الفتح، و الذي نفسي بيده لئن كنت صدقت يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي يأتي موسى الذي هو جبريل، و إنه لنبيّ هذه الأمة، فقولي له يثبت. و القدوس: الطاهر المنزه عن العيوب، و هذا يقال للتعجب، أي و جاء بدل قدوس سبوح سبوح، و ما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي تعبد فيها الأوثان، جبريل أمين اللّه بينه و بين رسله: أي لأن هذا الاسم لم يكن معروفا بمكة و لا غيرها من بلاد العرب، فرجعت خديجة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جواره و انصرف: أي فرغ ما تزوّده و ليس المراد انقضاء جواره بانقضاء الشهر، لأن ذلك كان قبل أن يجيء إليه جبريل باقرأ باسم ربك يقظة كما تقدم. أي و ذلك كان في الشهر الذي أكرمه اللّه فيه برسالته.
فعند ذلك صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل و هو يطوف بالكعبة، فقال له: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت و سمعت، فأخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له ورقة و الذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة و لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، و لتكذبنه و لتؤذينه، و لتقاتلنه و لتخرجنه بها السكت، و لا تكون إلا ساكنة. و لئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ اللّه نصرا يعلمه، ثم أدنى ورقة رأسه (صلى اللّه عليه و سلم) منه و قبل يأفوخه، أي وسط رأسه، لأن اليأفوخ بالهمزة وسط الرأس إذا استد و قبل استداده كما في رأس الطفل يقال له الفادية بالفاء. ثم انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى منزله أي و لا مانع من تكرار مراجعة ورقة فتارة قال قدوس قدوس، و تارة قال سبوح سبوح، أو جمع بين ذلك في وقت واحد. و بعض الرواة اقتصر على أحد اللفظين، و قد جاء أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه دخل على خديجة أي و ليس عندها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقالت له: يا عتيق اذهب بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) إلى ورقة:
أي بعد أن أخبرته بما أخبرها به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما سيذكر، فلما دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة، و ذهب به إلى ورقة، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا إلى الأرض، فقال له: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني:
أي و هذا قبل أن يراه و يجتمع به و يجيء إليه بالقرآن. و حينئذ يكون تكرر سؤال ورقة