السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٣ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
فإذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد بعث».
أقول: قد يقال لا منافاة بين الروايتين، لأنه يجوز أنهم لم يخبروه بمبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) لما وجدوه، فذهب أو ذهب بعد إخبارهم له بذلك للاستيقان، و هذا يفيد أن الرمي بالنجوم إنما كان عند مبعثه: أي عند تقارب زمنه لا قبل ذلك الذي منه زمن ولادته.
و حينئذ يشكل حصول مثل ذلك لإبليس و جنوده عند مولده (صلى اللّه عليه و سلم). و من ثم قدمنا أنه يجوز أن يكون من خلط بعض الرواة، و هذه الرواية تدل على أن إبليس لم يكن عنده علم بأن سقوط النجم على الشياطين علامة على مبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و الرواية التي قبلها تدل على ذلك كما علمت. و كلتا الروايتين يدل على أنه لم يعلم عينه و لا محله و اللّه أعلم، و قد أشار صاحب الهمزية إلى أن حجب الشياطين كان عند مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله:
بعث اللّه عند مبعثه الشه* * * ب حراسا و ضاق عنها الفضاء
تطرد الجن عن مقاعد للسم* * * ع كما يطرد الذئاب الرعاء
فمحت آية الكهانة آيا* * * ت من الوحي ما لهن انمحاء
أي أرسل اللّه زمن إرساله (صلى اللّه عليه و سلم) الشعل من النار على الجن لأجل حراسة السماء منهم، و لكثرة تلك الشعل ضاقت عنها المفازات حال كون تلك الشهب تطرد الجن عن أمكنة قريبة يقاعدون فيها لأجل أن يسمعوا شيئا من الملائكة المتكلمين بما سيقع في الأرض من المغيبات، و طرد تلك الشهب لأولئك الشياطين في الشدة كطرد الرعاة للذئاب عن الغنم إذا أرادت أن تعدو عليها، فبسبب ذلك الطرد البالغ للجن عن خبر السماء محت آيات من الوحي آية الكهانة التي هي الإخبار بالأمور المغيبة، ما لتلك الآيات من الوحي انمحاء: أي ذهاب، بل هي باقية إلى يوم القيامة. و فيه أنه لزم على كون الغرض من الرمي بالنجوم حفظ الوحي أن ذلك لا يكون إلا عند مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا يكون قبل ذلك الذي قبل منه وقت ولادته. و أيضا لو كان ذلك موجودا قبل مبعثه و استمر إلى مبعثه لم تفزع العرب منه عند مبعثه.
و أجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون الغرض الأصلي من الرمي بها حفظ الوحي، فلا ينافي وجود ذلك قبل ذلك عند ولادته إرهاصا و تخويفا.
و كان هذا السؤال الثاني هو الحامل لأبيّ بن كعب على دعوى أنه لم يرم بالنجوم منذ رفع عيسى عليه الصلاة و السلام حتى تنبأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رمى بها، و من ثم قال: فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فزعوا لعبد يا ليل. و يجاب بأنه يجوز أن يكون الرمي بالنجوم عند المبعث مخالفا للرمي بها قبله، إما لفرط كثرتها و إما لأن الرمي بها بعد المبعث كان من كل جانب. و قيل كان من جانب واحد، و إما لأن الرمي بها صار لا يخطئ أبدا، و قبل ذلك كان يخطئ تارة و يصيب أخرى، فمنهم