السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٦ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
فقلت: أما لو كان لي من يؤدي إبلي هذه إلى أهلي لأتيته حتى أسلم فقال: أنا أؤديها فركبت بعيرا منها ثم قدمت فإذا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على المنبر. و في رواية: فوافيت الناس يوم الجمعة و هم في الصلاة، فإني أنيخ راحلتي، إذ خرج إلى أبو ذر فقال لي: يقول لك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ادخل، فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الرجل. و في لفظ: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدي إبلك، أما إنه قد أداها سالمة، و قد قص اللّه تعالى على نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) ما كان عليه الناس قبل بعثته، من أن الإنسان إذا نزل منزلا مخوفا قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه بقوله سبحانه و تعالى: وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ [الجنّ: الآية ٦] أي يستعيذون برجال (من الجن) أي حين ينزلون في أسفارهم بمكان مخوف يقول كل رجل أعوذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه فَزادُوهُمْ رَهَقاً [الجنّ: الآية ٦] أي زادوا الجن: أي ساداتهم باستعاذتهم بهم طغيانا، فيقولون: سدنا الإنس و الجن.
أي و من ذلك ما حكاه وائل بن حجر الحضرمي، و يكنى أبا هنيدة، كان قيلا من أقيال حضرموت، و كان أبوه من ملوكهم. قال: «وفدت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد بشر أصحابه بقدومي، فقال: يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في اللّه عز و جل و في رسوله، و هو بقية أبناء الملوك. قال وائل فما لقيني أحد من الصحابة إلا قال: بشرنا بك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل قدومك بثلاث، فلما دخلت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رحب بي و أدناني من نفسه و قرب مجلسي و بسط لي رداءه فأجلسني عليه و قال: اللهم بارك في وائل بن حجر و ولده و ولد ولده، ثم صعد المنبر و أقامني بين يديه ثم قال: أيها الناس هذا وائل بن حجر أتاكم من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الإسلام فقلت: يا رسول اللّه بلغني ظهورك و أنا في ملك عظيم، فمن اللّه على أن رفضت ذلك كله، و آثرت دين اللّه قال صدقت، اللهم بارك في وائل بن حجر و ولده و ولد ولده».
قال: و سبب وفودي على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه كان لي صنم من العقيق فبينما أنا نائم في الظهيرة إذا سمعت صوتا منكرا من المخدع الذي به الصنم فأتيت الصنم و سجدت بين يديه، و إذا قائل يقول:
وا عجبا لوائل بن حجر* * * يخال يدري و هو ليس يدري
ما ذا يرجي من نحيت صخر* * * ليس بذي نفع و لا ذي ضر
لو كان ذا حجر أطاع أمري
قال: فقلت: أسمعت أيها الهاتف الناصح، فما ذا تأمرني؟ فقال:
ارحل إلى يثرب ذات النخل* * * تدين دين الصائم المصلي