السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٣ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
و من ذلك ما ذكره الواقدي بإسناد له قال: كان أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه يحدث أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا، و كانوا يتحاكمون إلى أصنامهم، فبينا الخثعميون عند صنم لهم إذ سمعوا هاتفا يهتف و يقول:
يا أيها الناس ذوو الأجسام* * * و مسند و الحكم إلى الأصنام
أ ما ترون ما أرى أمامي* * * من ساطع يجلو دجى الظلام
ذاك نبي سيد الأنام* * * من هاشم في ذروة السنام
مستعلن بالبلد الحرام* * * جاء يهدّ الكفر بالإسلام
أكرمه الرحمن من إمام
قال أبو هريرة: فأمسكوا ساعة حتى حفظوا ذلك ثم تفرقوا، فلم يمض بهم ثالثهم حتى فجأهم خبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قد ظهر بمكة، أي جاءهم ذلك بغتة، فما أسلم الخثعميون حتى استأخر إسلامهم و رأوا عبرا عند أصنامهم.
و أما خبر زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة، و هي قبيلة من اليمن صنم يقال له خمام بالخاء المعجمة المضمومة و تخفيف الميم و كانوا يعظمونه، و كان في بني هند بن حرام بالحاء المهملة المفتوحة و الراء، و كان سادنه: أي خادمه رجلا يقال له طارق، قال في النور: لا أعلم له ترجمة و لا إسلاما، و كانوا يعترون، أي يذبحون الذبائح عنده، فلما ظهر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سمعنا صوتا يقول: يا بني هند بن حرام، ظهر الحق و أودى خمام، أي هلك، و رفع الشرك الإسلام. قال زمل: ففزعنا لذلك، و هالنا أي أفزعنا فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صدعة بأرض تهامة، لناصريه السلامة، و لخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، فوقع الصنم لوجهه.
فإن كان ذلك الصوت من جوف الصنم و يرشد إليه قوله: هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، فهو من غير هذا النوع، و إن لم يكن فهو من هذا النوع. قال زمل:
فابتعت أي اشتريت راحلة، و رحلت حتى أتيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مع نفر من قومي و أنشدته:
إليك رسول اللّه أعلمت نصها
النص: هو الغاية في السير.
أكلفها حزنا و قوزا من الرمل
و الحزن ما ارتفع من الأرض، و القوز بالقاف و الزاي: التل الصغير.
لأنصر خير الناس نصرا موزرا
(أي قويا).