السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٧٤ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
من دفن به عثمان بن مظعون.
و جمع بأن أوّل من دفن به من المهاجرين عثمان: أي و قد مات في ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة. و أول من دفن به من الأنصار كلثوم أو أسعد: أي و في الوفيات لابن زيد: مات كلثوم، ثم من بعده أبو أمامة أسعد بن زرارة في شوّال من السنة الأولى من الهجرة، و دفن بالبقيع هذا كلامه، و لم يذكر الوقت الذي مات فيه كلثوم. و في النور عن الطبري أنه مات بعد قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة بأيام قليلة. و أوّل من مات من الأنصار البراء بن معرور، مات قبل قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة مهاجرا بشهر. و لما حضره الموت أوصى بأن يدفن و يستقبل به الكعبة ففعلوا به ذلك، و لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة صلى على قبره هو و أصحابه و كبر أربعا، و لم أقف على محل دفنه.
و قولهم إن أول من دفن بالبقيع كلثوم يدل على أن البراء لم يدفن بالبقيع إلا أن يراد الأولية بعد قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة. و الظاهر أن هذه أول صلاة صليت على القبر.
قال سلمان: و كان عليه الصلاة و السلام عليه شملتان و هو جالس في أصحابه فسلمت عليه، ثم ابتدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي؟ فألقى الرداء عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله و أبكي، فقال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تحول، فتحولت بين يديه فقصصت عليه حديثي. قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: فأعجب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يسمع ذلك أصحابه: أي و في شواهد النبوة لما جاء سلمان إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم يفهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كلامه فطلب ترجمانا فأتى بتاجر من اليهود كان يعرف الفارسية و العربية، فمدح سلمان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و ذم اليهود بالفارسية فغضب اليهودي و حرف الترجمة، فقال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) إن سلمان يشتمك، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): هذا الفارسي جاء ليؤذينا فنزل جبريل و ترجم عن كلام سلمان، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك: أي الذي ترجمه له جبريل لليهودي، فقال اليهودي: يا محمد إن كنت تعرف الفارسية فما حاجتك إلي؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): ما كنت أعلمها من قبل و الآن علمني جبريل أو كما قال. فقال اليهودي: يا محمد قد كنت قبل هذا أتهمك و الآن تحقق عندي أنك رسول اللّه. فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أنك رسول اللّه، ثم قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لجبريل: علم سلمان العربية. فقال: قل له ليغمض عينيه و يفتح فاه ففعل سلمان، فتفل جبريل في فيه فشرع سلمان يتكلم بالعربي الفصيح، و هذا السياق يدل على أن ذلك كان عند مجيئه في المرة الثالثة. و حينئذ يشكل مجيئه أولا و ثانيا و قوله ما تقدم بالعربية إلا أن يقال ذاك لقلته سهل عليه أن يعبر عنه بالعربية، بخلاف حكاية حاله لكثرته لم يحسن أن يعبر عنه بالعربية.
قال: و قد اختلفت الروايات عن سلمان في الشيء الذي جاء به للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) أولا