السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦٧ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
قلت: و بم أرسلك؟ قال «بعبادة اللّه وحده لا شريك له، و بحقن الدماء، و بكسر الأوثان، و صلة الرحم، و أمان السبيل» فقلت: نعم ما أرسلت به، قد آمنت بك و صدقتك، أ تأمرني أن أمكث معك أو أنصرف؟ فقال: أ لا ترى كراهة الناس ما جئت به، فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني، فكنت في أهلي حتى خرج (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، فسرت إليه، فقدمت المدينة، فقلت يا نبي اللّه أ تعرفني؟ قال: «نعم أنت السلمي الذي أتيتني بمكة».
و من ذلك ما حدث به عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إنما دعانا إلى الإسلام مع رحمة اللّه تعالى لنا و هداه ما كنا نسمع من أحبار يهود. كنا أهل شرك أصحاب أوثان و كانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، و كانت لا تزال بيننا و بينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن يقتلكم قتل عاد و إرم: أي يستأصلكم بالقتل فكان كثيرا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث اللّه رسوله محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) أجبناه حين دعانا إلى اللّه عز و جل و عرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به و كفروا ففي ذلك نزلت هذه الآيات في البقرة وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) [البقرة: الآية ٨٩].
و من ذلك ما حدث به شيخ من بني قريظة قال: إن رجلا من يهود من أهل الشام يقال له ابن الهيبان أي الجبان، قدم إلينا قبل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، و اللّه ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه: أي لا أظن أحدا من غير المسلمين، لأن المسلمين يصلون الخمس فلا أصلية لا زائدة، فأقام عندنا فكنا إذا قحط المطر: أي احتبس قلنا له اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول لا و اللّه حتى تقدموا بين يدي نجواكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول صاعا من تمر و مدين من شعير فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي لنا فو اللّه ما يبرح من محله حتى يمر السحاب و نسقى، قد فعل ذلك غير مرة: أي لا مرة و لا مرتين و لا ثلاثا بل أكثر من ذلك، ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت، قال: يا معشر يهود ما ترينه أخرجني من أهل الخمر- بالتحريك و بإسكان الميم: الشجر الملتف و الخمير- إلى أرض البؤس و الجوع؟ قلنا: أنت أعلم، قال: فإنما قدمت هذه الأرض أتوكف: أي أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه: أي أقبل و قرب كأنه لقربه أظلهم: أي ألقى عليهم ظله و هذا البلد مهاجره، و كنت أرجو أن يبعث فاتبعه، فقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، و بسبي الذراري و النساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه، فلما بعث اللّه رسوله محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) و حاصر بني قريظة، قال لهم نفر من هدل- بفتح الهاء و فتح الدال المهملة- و قيل بسكونها إخوة بني