السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣١ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
عليهما الصلاة و السلام أكثر من ألفي سنة و كان كافرا و اللّه أعلم.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: لما فرغ إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) من بناء البيت، قال: يا رب قد فرغت، قال: أذن في الناس بالحج، قال: أي رب و من يبلغ صوتي؟ قال اللّه جل ثناؤه: أذن و عليّ البلاغ، قال: أي رب كيف أقول؟ قال قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم عز و جل، فوقف على المقام و ارتفع به حتى كان أطول الجبال، فنادى و أدخل إصبعيه في أذنيه، و أقبل بوجهه شرقا و غربا ينادي بذلك ثلاث مرات: أي و زويت الأرض له يومئذ سهلها و جبلها و بحرها و برها و إنسها و جنها حتى أسمعهم جميعا فقالوا؟ لبيك اللهم لبيك، و بدأ بشق اليمن، و حينئذ يكون أول من أجاب أهل اليمن، و سيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات.
و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: كان أهل اليمن أكثر إجابة و من ثم جاء في الحديث «الإيمان يمان» و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في حق أهل اليمن «يريد أقوام أن يضعوهم و يأبى اللّه إلا أن يرفعهم».
و روى الطبراني بإسناده عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
«من أحب أهل اليمن فقد أحبني، و من أبغضهم فقد أبغضني».
و مما يؤثر عن إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليه). من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. و قد ذكر في تفسير قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: الآية ٩٧] هو نداء إبراهيم على المقام بما ذكر.
و قيل له البيت العتيق لأنه أعتق من الجبابرة لم يدعه: أي بحيث ينسب إليه جبار من الجبابرة الذين كانوا بمكة مع العمالقة و جرهم.
و قال القاضي تبعا للكشاف: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه اللّه تعالى. قال: و أما الحجاج فإنما كان قصده إخراج ابن الزبير عنه لما تحصن به دون التسلط عليه كذا قال.
قال بعضهم: و عن عبد اللّه بن عمر أنه قال: إنما سميت بكة أي بالموحدة، لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة، و لينظر من قصده ليهدمه من الجبابرة غير أبرهة.
ثم رأيت في المشرف أن ثلاثة غيره قصدوا هدمه: اثنان قاتلتهما خزاعة و منعتهما، و الثالث كان في أول زمان قريش، أراد هدمه حسدا على شرف الذكر لقريش به و أن يا بني عنده بيتا يصرف حجاج العرب إليه، فلما قارب مكة أظلمت الأرض و أيقن بالهلاك، فأقلع عن تلك النية و نوى أن يكسو البيت و ينحر عنده، فانجلت الظلمة ففعل ذلك.