السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٩ - باب ذكر رضاعه
رجع إلى مكة و هو قدامه على قربوس فرسه، و نحر الشياه و البقر، و أطعم أهل مكة.
أقول: و قول جده له من أنت يا غلام؟ لعله لكونه وجده على حالة لا توجد لمن يكون في سنه عادة كما تقدم عن حليمة من قولها: كان يشب شبابا لا يشبه الغلمان.
و في السيرة الهاشمية أن الذي وجده هو ورقة بن نوفل و رجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب: أي و يقال إن عمرو بن نفيل رآه و هو لا يعرفه، فقال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبد المطلب.
و في كلام بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) [الضّحى: الآية ٧] روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ضللت عن جدي عبد المطلب و أنا صبي و صار ينشد و هو متعلق بأستار الكعبة:
يا رب رد ولدي محمدا
البيت، فجاء أبو جهل بين يديه على ناقة و قال لجدي أ لا تدري ما وقع من ابنك؟ فسأله فقال: أنخت الناقة و أركبته من خلفي، فأبت أن تقوم، فأركبته من أمامي فقامت» و يحتاج إلى جمع على تقدير صحة كل مما ذكر.
و قد يقال: لا مانع من تعدد ذلك، و يدل لذلك أن بعض المفسرين قال في تفسير قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) [الضّحى: الآية ٧] قيل ضل عن حليمة مرضعته. و قيل ضل عن جده عبد المطلب و هو صغير.
قالت حليمة: فقالت أمه: ما أقدمك به يا ظئر، أي يا مرضعة؟ و لقد كنت حريصة عليه و على مكثة عندك. قلت: قد بلغ و اللّه، و قضيت الذي عليّ و تخوفت عليه الأحداث فأديته إليك كما تحبين، فقالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك؟
قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: ا فتخوفت عليه الشيطان؟ قلت نعم، قالت:
كلا و اللّه ما للشيطان عليه سبيل، و إن لابني شأنا، أ فلا أخبرك خبره؟ قلت بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به فو اللّه ما رأيت: أي ما علمت من حمل قط كان أخف علي و لا أيسر منه، و وقع حين ولدته إنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك و انطلقي راشدة.
قال: و عن حليمة أنه مر عليها جماعة من اليهود فقالت: أ لا تحدثوني عن ابني هذا، حملته كذا و وضعته كذا، و رأيت كذا كما وصفت لها أمه: أي فإنها ذكرت لها ذلك مرتين عند دفعه لها و عند أخذه منها انتهى.
أقول: و لا ينافي ذلك قول آمنة لحليمة: أولا أخبرك خبره، و قول حليمة لها