السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٠ - باب ذكر رضاعه
و عن ابن إسحاق: بلغني أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو يؤيد قول بعضهم: لم يذكر الحارث كثير ممن ألف في الصحابة ا ه.
أقول: يدل للأول ظاهر ما روي «أن الحارث هذا قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة بعد نزول القرآن عليه (صلى اللّه عليه و سلم)» فقالت له قريش: أو تسمع يا حارث ما يقول ابنك؟
فقال: و ما يقول؟ قالوا: يزعم أن اللّه يبعث من في القبور، و أن للّه دارين يعذب فيهما من عصاه، و يكرم فيهما من أطاعه: أي يعذب في إحداهما من عصاه و هي النار، و يكرم في الأخرى من أطاعه و هي الجنة، فقد شتت أمرنا، و فرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني، ما لك و لقومك، يشكونك و يزعمون أنك تقول كذا: أي أن الناس يبعثون، بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة و نار «فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، نعم أنا أقول ذلك» و في لفظ «أنا أزعم ذلك، و لو قد كان ذلك اليوم يا أبت فلآخذن بيدك حتى أعرّفك حديثك اليوم» فأسلم الحارث بعد ذلك و حسن إسلامه: أي و قد كان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة، و إنما قلنا ظاهر، لأنه قد يقال قوله بعد ذلك يصدق بما بعد وفاته (صلى اللّه عليه و سلم)، فلا دلالة في ذلك على أنه أسلم في حياته (صلى اللّه عليه و سلم).
و في شرح الهمزية لابن حجر: و من سعادتها يعني حليمة توفيقها للإسلام هي و زوجها و بنوها، و هم: عبد اللّه، و الشيما، و أنيسة، هذا كلامه.
و في الإصابة أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان جالسا- أي على ثوب- فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه (صلى اللّه عليه و سلم) فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه (صلى اللّه عليه و سلم) من الرضاعة، فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجلس بين يديه» و رجاله ثقات، و لعل المراد بجلوسه بين يديه جلوسه مقابله، و حينئذ ففاعل جلس النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و ضمير يديه راجع لأخيه: أي قام (صلى اللّه عليه و سلم) عن محل جلوسه على الثوب، و أجلس أخاه على الثوب مكانه و جلس (صلى اللّه عليه و سلم) قبالة أخيه، فعل (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك ليكون أخوه هو و أبواه جميعا على الثوب، و اللّه أعلم.
قالت: و خرجت في نسوة من بني سعد: أي ابن بكر بن هوازن عشرة يطلبن الرضعاء في سنة شهباء: أي ذات جدب و قحط لم تبق شيئا، على أتان قمراء بفتح القاف و المد: أي شديد البياض، و معنى شارف أي ناقة مسنة، ما تبض بالضاد المعجمة، و ربما روي بالمهملة: أي ما ترشح بقطرة لبن، قالت: و ما كنا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي. و في رواية ثديي ما يغنيه، و ما في شارفنا ما يغذيه بمعجمتين، و قيل بمعجمة ثم مهملة، و قيل بإسكان العين المهملة و كسر الذال المعجمة و ضم الباء الموحدة: أي ما يكفيه بحيث يرفع رأسه و ينقطع عن الرضاعة. قالت حليمة: و لكنا نرجو الغيث و الفرج، فخرجت على