السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١٦ - باب تسميته
أقول: و هذا هو الموافق لما اشتهر أن جده سماه محمدا بإلهام من اللّه تعالى تفاؤلا بأن يكثر حمد الخلق له، لكثرة خصاله الحميدة التي يحمد عليها، و لذلك كان أبلغ من محمود و إلى ذلك يشير حسان رضي اللّه عنه بقول:
فشق له من اسمه ليجلّه* * * فذو العرش محمود و هذا محمد
و هذا الإلهام لا ينافي أن تكون أمه قالت له إنها أمرت أن تسميه بذلك، و قد حقق اللّه رجاءه بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) تكاملت فيه الخصال المحمودة و الخلال المحبوبة فتكاملت له (صلى اللّه عليه و سلم) المحبة من الخالق و الخليقة، فظهر معنى اسمه على الحقيقة.
و في الخصائص الصغرى: و خص (صلى اللّه عليه و سلم) باشتقاق اسمه من اسم اللّه تعالى و بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) سمي أحمد و لم يسم به أحد قبله، و لإفادته الكثرة في معناه، لأنه لا يقال إلا لمن حمد المرة بعد المرة، لما يوجد فيه من المحاسن و المناقب.
ادّعى بعضهم أنه من صيغ المبالغة: أي الصيغ المفيدة للمبالغة بالمعنى المذكور استعمالا لا وضعا لأن الصيغ الموضوعة لإفادة المبالغة منحصرة في الصيغ الخمسة و ليس هذا منها.
و هذا السياق يدل على أن تسميته (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك كانت في يوم العقيقة، و أن العقيقة كانت في اليوم السابع من ولادته، و تقدم: ولد الليلة لعبد اللّه بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، و هو يدل على أن تسميته (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك كانت في ليلة ولادته أو يومها.
و قد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون قوله هنا: و سماه محمدا، معناه أظهر تسميته بذلك لعموم الناس، و هذا التعليل للتسمية بهذا الاسم يرشد إلى ما قيل: اقتضت الحكمة أن يكون بين الاسم و المسمى تناسب في الحسن و القبح و اللطافة و الكثافة، و من ثم غير (صلى اللّه عليه و سلم) الاسم القبيح بالحسن و هو كثير، و ربما غير الاسم الحسن بالقبيح للمعنى المذكور كتسميته لأبي الحكم بأبي جهل، و تسميته لأبي عامر الراهب بالفاسق.
و جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لبعض أصحابه ادع لي إنسانا يحلب ناقتي، فجاءه بإنسان، فقال له ما اسمك؟ فقال له حرب، فقال اذهب. فجاءه بآخر فقال: ما اسمك؟ فقال يعيش، فقال احلبها».
و يروى «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) طلب شخصا يحفر له بئرا، فجاءه رجل، فقال له ما اسمك؟
قال مرة، قال اذهب» و ليس هذا من الطيرة التي كرهها و نهى عنها، و إنما هو من كراهة الاسم القبيح، و من ثم كان (صلى اللّه عليه و سلم) يكتب لامرائه «إذا أبردتم لي بريدا فأبردوه» أي إذا أرسلتم لي رسولا فأرسلوه «حسن الاسم حسن الوجه» و من ثم لما قال له سيدنا عمر رضي اللّه عنه لما قال لمن أراد أن يحلب له ناقته أو يحفر له البئر ما تقدم «لا