السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٠ - باب ذكر مولده
لمولده قد رنّ إبليس رنة* * * فسحقا له ما ذا يفيد رنينه
و عن عطاء الخراساني لما نزل قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) [النساء: الآية ١١٠] صرخ إبليس صرخة عظيمة اجتمع إليه فيها جنوده من أقطار الأرض قائلين: ما هذه الصرخة التي أفزعتنا؟ قال:
أمر نزل بي لم ينزل قط أعظم منه، قالوا: و ما هو؟ فتلا عليهم الآية و قال لهم: فهل عندكم من حيلة؟ قالوا ما عندنا من حيلة، فقال: اطلبوا فإني سأطلب، قال: فلبثوا ما شاء اللّه، ثم صرخ أخرى فاجتمعوا إليه و قالوا: ما هذه الصرخة التي لم نسمع منك مثلها إلا التي قبلها؟ قال: هل وجدتم شيئا؟ قالوا: لا، قال: لكني قد وجدت؛ قالوا: و ما الذي وجدت؟ قال أزين لهم البدع التي يتخذونها دينا ثم لا يستغفرون:
أي لأن صاحب البدعة يراها بجهلة حقا و صوابا و لا يراها ذنبا حتى يستغفر اللّه منها.
و قد جاء في الحديث «أبى اللّه أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» أي لا يثيبه على عمله ما دام متلبسا بتلك البدعة.
و عن الحسن قال: بلغني أن إبليس قال: سوّلت لأمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار، فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون اللّه منها و هي الأهواء أي البدع.
و قد جاء في الحديث «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: ضلالة الأهواء» الحديث، و أهل الأهواء هم أهل البدع.
و عن عكرمة أن إبليس لما ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و رأى تساقط النجوم قال أي لجنوده؟ لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا، و هذا يدل على أن تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته، فلما دنا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث اللّه جبريل عليه الصلاة و السلام فركضه برجله ركضة وقع بعدن. و كون تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا (صلى اللّه عليه و سلم)، مشكل مع قول بعضهم، لما رجمت الشياطين و منعت من مقاعدها في السماء لاستراق السمع شكوا ذلك لإبليس، فقال لهم: هذا أمر حدث في الأرض، و أمرهم أن يأتوه بتربة من كل أرض، فصار يشمها إلى أن أتى بتربة من أرض تهامة، فلما شمها قال: من هاهنا الحدث، هكذا ساقه بعضهم عند ولادته (صلى اللّه عليه و سلم). إلا أن يقال: لا إشكال لأن تساقط النجوم و إن كان علامة على وجود نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) لكن في أي أرض! على أن بعضهم أنكر كون ما ذكر كان عند الولادة. و قد تقدم أن المذكور في كلام غيره إنما هو عند مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) كما سيأتي، و لعله من خلط بعض الرواة.
و عبارة بعضهم: روي أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء ثم تجاوز سماء