مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٠ - ذكر السبب في خروج أبي السرايا
و كان الحسن بن سهل، لانتحاله النجوم و نظره فيها، ينظر في نجم محمد فيراه محترقا، فيبادر في طلبه، و يحرص على ترويحه، و يشغله ذلك عن النظر في أمر عسكره.
فسار زهير بن المسيب حتى ورد قصر ابن هبيرة فأقام به، و وجه ابنه أزهر بن زهير على مقدمته، فنزل سوق أسد.
و سار أبو السرايا من الكوفة وقت العصر فأغذ السّير حتى أتى معسكر أزهر بن زهير بسوق أسد، و هم غارون فيه و بيته، فطحن العسكر و أكثر القتل فيه، و غنم دوابهم و أسلحتهم، و انقطع الباقون في الليل منهزمين حتى وافت زهيرا بالقصر، فتغيظ من ذلك.
و رجع أبو السّرايا إلى الكوفة، و زحف زهير حتى نزل و وافت خريطة من الحسن بن سهل، يأمره ألا ينزل إلاّ بالكوفة، فمضى حتى نزل عند القنطرة.
و نادى أبو السرايا في الناس بالخروج، فخرجوا حتى صادفوا زهيرا على قنطرة الكوفة في عشية صردة باردة، فهم يوقدون النار يستدفئون بها، و يذكرون اللّه و يقرأون القرآن، و أبو السّرايا يسكن منهم و يحثهم.
و أقبل أهل بغداد يصيحون يا أهل الكوفة: زيّنوا نساءكم و أخواتكم و بناتكم للفجور، و اللّه لنفعلن بهم كذا و كذا. و لا يكنون.
و أبو السرايا يقول لهم: اذكروا اللّه و توبوا إليه، و استغفروه و استعينوه، فلم يزل الناس في تلك الليلة يتحارسون طول ليلتهم، حتى إذا أصبح نهد إليهم فوقف في عسكره، و قد عشيت أبصار الناس من الدروع و البيض و الجواش و هم على تعبئة حسنة، و أصوات الطبول و البوقات مثل الرعد العاصف، و أبو السرايا يقول:
يا أهل الكوفة صححوا نياتكم، و أخلصوا للّه ضمائركم، و استنصروه على عدوكم، و ابرأوا إليه من حولكم و قوتكم، و اقرأوا القرآن، و من كان يروي الشعر فلينشد شعر عنترة العبسي:
قال: و مرّ بنا الحسن بن الهذيل يعترض الناس ناحية ناحية و يقول:
يا معشر الزيدية، هذا موقف تستزل فيه الأقدام، و تزايل فيه الأفعال.
و السعيد من حاط دينه، و الرشيد من وفّى للّه بعهده، و حفظ محمدا في عترته.