مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠ - مقدمة
و إنما لحق يققا قولنج فاحتجت إلى حقنه فأنا مشغول بذلك فلما سمعوا قوله و رأوا التلوث في يده نفروا منه و اعتذروا إليه و انصرفوا عنه «لتناهيه في القذارة إلى ما لا غاية بعده» [١] كما قالوا و حسبوا، و لعلّه قد غاب عنهم أن أبا الفرج كان بصيرا بعلم «الجوارح و البيطرة و الطب» و أنه لا تثريب عليه إذا ما زاول علاج سنوره بيده و طبق العلم على العمل كما يقال. و من يدري فلعلّ أبا الفرج لو لم يحقن يققا لضاع على مؤرخي الحضارة العربية شاهد عظيم يثبت معرفة العرب لحقن الحيوان و سبقهم إلى ذلك منذ منتصف القرن الرابع الهجري.
و قد فجع أبو الفرج في ديك له رشيق تكاملت فيه جمل الجمال بأسرها، و كسى كالطاوس ريشا لا معا متلألأ ذا رونق و بريق:
من حمرة في صفرة في خضرة # تخيلها يغني عن التحقيق
و كأن سالفتيه تبر سائل # و على المفارق منه تاج عقيق
فرثاه بقصيدة طويلة تعد من عيون الشعر العربي في رثاء الحيوان، و صار يبكيه كلما أبصر ربعه موحشا أو سمع صياح ديك:
أبكي إذا أبصرت ربعك موحشا # بتحنن و تأسف و شهيق
و يزيدني جزعا لفقدك صادح # في منزل دان إليّ لصيق
قرع الفؤاد و قد زقا فكأنّه # نادى ببين أو نعيّ شقيق
فتأسفي أبدا عليك مواصل # بسواد ليل أو بياض شروق
و إذا أفاق ذوو المصائب سلوة # و تصبّروا أمسيت غير مفيق
و كان أبو الفرج في ربيع العمر و ريعان الشباب يطلق عقال النفس، و يقيد مراشف الكأس، و يرتاد منازه الحسن، و يطوف بمسارح الجمال لينزه مقلته، و يرشف من رحيقه ما ينقع غلته، ثم يوقع أنغام نفسه و ألحان حسه على قيثارة شعره، و يشدو بما يفصح عن إسماح الجميل بعد ليانه، و إطاعة الدهر بعد عصيانه.
[١] معجم الأدباء ١٣/١٠٥.