مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٨ - ذكر الخبر عن مقتله
فقال عبد اللّه بن مصعب: إن عبد اللّه بن الزبير طلب أمرا فأدركه، و إنّ الحسن باع الخلافة من معاوية بالدراهم، أتقول هذا في عبد اللّه بن الزبير و هو ابن صفية بنت عبد المطلب [١] ؟.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، ما أنصفنا أن يفخر علينا بامرأة من نسائنا و امرأة منا، فهلا فخر بهذا على قومه من النّوبيات و الأساميات و الحمديات! فقال عبد اللّه بن مصعب: ما تدعون بغيكم علينا و توثبكم في سلطاننا؟.
فرفع يحيى رأسه إليه، و لم يكن يكلّمه قبل ذلك، و إنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبد اللّه، فقال له: أ توثبنا في سلطانكم؟و من أنتم-أصلحك اللّه- عرفني فلست أعرفكم؟.
فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك ثم غلب عليه الضحك ساعة، و خجل ابن مصعب.
ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، و مع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك [٢] و القائل له [٣] :
إن الحمامة يوم الشعب من دثن [٤] # هاجت فؤاد محب دائم الحزن
إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا # بعد التدابر و البغضاء و الأحن
حتى يثاب على الإحسان محسننا [٥] # و يأمن الخائف المأخوذ بالدّمن
و تنقضي دولة أحكام قادتها # فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فطالما قد بروا بالجور أعظمنا [٦] # بري الصناع قداح النّبع بالسّفن
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا # إن الخلافة فيكم يا بني الحسن [٧]
[١] توفيت صفية في خلافة عمر، راجع ترجمتها في طبقات ابن سعد ٨/٢٧-٢٨.
[٢] مروج الذهب ٢/١٨٩.
[٣] الأبيات في العقد ٣/٢٧٦ و ابن أبي الحديد ٤/٣٥٢.
[٤] في ابن أبي الحديد «من وثن» و في العقد «من حضن» يقال «دثن الطائر تدثينا: طار و أسرع السقوط في مواضع متقاربة، و في الشجرة: اتخذ عشا» .
[٥] في ط و ق «محتسبا» .
[٦] في ط و ق «فكان ما قد» .
[٧] البيت في مروج الذهب و تاريخ بغداد.