مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٦ - ٣٥-عيسى بن زيد بن علي
بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة و قال: إن هذا أمر يثقل عليه، و أخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إيّاه فتزعجه، فلم أزل به أداريه و ألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفةو قال لي:
إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية، و سترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا و كذا فاعرفه و اجلس بعيدا منها في أول السكة، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون [١]
الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف، يستقي الماء على جمل، [و قد انصرف يسوق الجمل] [٢] لا يضع قدما و لا يرفعها إلاّ ذكر اللّه-عز و جلّ-و دموعه تنحدر، فقم و سلّم عليه و عانقه، فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرّفه نفسك و انتسب له، فإنه يسكن إليك و يحدثك طويلا، و يسألك عنّا جميعا و يخبرك بشأنه و لا يضجر بجلوسك معه، و لا تطل عليه و ودعه؛ فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك؛ فإنك إن عدت إليه توارى عنك، و استوحش منك و انتقل عن موضعه، و عليه في ذلك مشقة.
فقلت: أفعل كما أمرتني. ثم جهزني إلى الكوفة و ودعته و خرجت، فلما وردت الكوفة قصدت سكة بني حيّ بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل، و هو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدما و لا يضعها إلاّ حرك شفتيه بذكر اللّه، و دموعه ترقرق في عينيه و تذرف أحيانا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه و بكى حتى قلت قد جاءت نفسه، ثم أناخ جمله، و جلس معي، فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا، و امرأة امرأة، و صبيا صبيا، و أنا أشرح له أخبارهم و هو يبكي، ثم قال: يا بني، أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف ما أكتسب، يعني من أجرة الجمل. إلى صاحبه، و أتقوت باقيه، و ربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البريّة، يعني بظهر الكوفة،
[١] في الخطية «مستور» .
[٢] الزيادة من الخطية.