مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٦٩ - ٥٧-محمد بن القاسم بن علي
الشادياج علينا، فلما فرغت من الاحتياط صرت إلى عبد اللّه بن طاهر فأخبرته الخبر و قصصته عليه شفاها، فقال لي: لا بد من أن أنظر إليه، فصار إليّ مع المغرب و عليه قميص و سراويل و نعل و رداء، و هو متنكر، فلما نظر إلى محمد بن القاسم و ثقل الحديد عليه قال لي:
ويلك يا إبراهيم، أما خفت اللّه في فعلك؟أتقيد هذا الرجل الصالح بمثل هذا القيد الثقيل؟ فقلت أيها الأمير خوفك أنساني خوف اللّه، و وعدك الذي قدّمته إليّ أذهل عقلي عمّا سواه.
فقال لي: خفف هذا الحديد كلّه عنه، و قيده بقيد خفيف في حلقته رطل بالنيسابوري-و وزن الرطل النيسابوري مائتا درهم-و ليكن عموده طويلا، و حلقتاه واسعتين ليخطو فيه، و مضى و تركه.
فأقام بنيسابور ثلاثة أشهر يريد بذلك أن يعمي خبره على الناس كيلا يغلب عليه لكثرة من بايعه بكور خراسان.
و كان عبد اللّه يخرج من إصطبله بغالا عليها القباب ليوهم الناس أنه قد أخرجه، ثم يردها حتى استتر بنيسابور سلّه في جوف الليل و خرج به مع إبراهيم بن غسان الذي أسره من نسا و وافى به الرّي، و قد أمره عبد اللّه بن طاهر أن يفعل به كما فعل هو، يخرج في كل ثلاث ليال و معه بغل عليه قبّة و معه جيش حتى يجوز الري بفراسخ، ثم يعود، إلى أن يمكنه سلّه في ليلة مظلمة، ففعل ذلك خوفا من أن يغلب عليه لكثرة من أجابه، حتى أخرجه من الري، و لم يعلم به أحد، ثم اتبعه حتى أورده بغداد على المعتصم.
قال إبراهيم بن غسان:
فعرضوا على محمد بن القاسم كل شيء نفيس من مال و جوهر و غير ذلك، فلم يقبل إلاّ مصحفا جامعا[كان]لعبد اللّه بن طاهر، فلما قبله سر عبد اللّه بذلك و إنما قبله لأنه كان يدرس فيه.
قال: و ما رأيت قط أشدّ اجتهادا منه، و لا أعف و لا أكثر ذكر اللّه عزّ و جلّ مع شدة نفس، و اجتماع قلب، ما ظهر منه جزع و لا انكسار، و لا خضوع في الشدائد التي مرّت به، و أنهم ما رأوه قط مازحا و لا هازلا و لا ضاحكا إلاّ مرة