مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٠ - ٣٥-عيسى بن زيد بن علي
ببيتين من الشعر الذي لم يجعل اللّه فيك خيرا و لا أدبا [١] و لا جعل لك معاشا غيره، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، و لا اعتذرت مما قدمته و فرّطت فيه من الحق حتى استنشدتني مبتديا، كأن بيننا أنسا قديما، و معرفة شافية، و صحبة تبسط المنقبض! فقلت له: اعذرني متفضلا؛ فإن دون ما أنا فيه يدهش.
قال: و في أي شيء أنت، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم و سبيلك إليهم، فحبسوك حتى تقوله، و أنت لا بد من أن تقوله، فتطلق، و أنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد بن رسول اللّه (ص) ، فإن دللت عليه فقتل لقيت اللّه بدمه، و كان رسول اللّه (ص) خصمي فيه، و إلاّ قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، و أنت ترى احتسابي و صبري.
فقلت: يكفيك اللّه و أطرقت خجلا منه [٢] .
فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ و المنع، اسمع البيتين و احفظهما.
فأعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما، ثم دعى به و بي فلما قمنا قلت: من أنت أعزك اللّه؟.
قال: أنا حاضر [٣] صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟.
[١] في ط و ق «لولا أدبا» و في الأغاني «من الشعر الذي لا فضل فيك غيره لم تصبر عن استعادتهما، و لم تقدم قبل مسئلتك عنهما عذرا لنفسك في طلبهما، فقلت له إلخ» .
[٢] في الأغاني «فقلت له أنت و اللّه أولى، سلمك اللّه و كفاك، و لو علمت أن هذه حالك ما سألتك، فقال:
فلا نبخل عليك إذا... » .
[٣] في الأغاني «أنا خالص داعية عيسى بن زيد و ابنه أحمد، و لم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرة، و لبس ثوبا نظيفا كان عنده، و دخل الحرس و الجند معهم الشمع فأخرجونا جميعا، و قدم قبلي إلى الرشيد فسأله عن أحمد بن عيسى. فقال: لا تسألني عنه و اصنع ما أنت صانع، فلو أنه تحت ثوبي هذا ما كشفته عنه، و أمر بضرب عنقه، فضرب. ثم قال لي: أظنك قد ارتعت يا اسماعيل، فقلت: دون ما رأيته تسيل منه النفوس. فقال ردوه إلى محبسه، فرددت، و انتحلت هذين البيت وزدت فيهما:
إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما # تكرهت منه طال عتبي على الدهر