مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٢ - ذكر السبب في خروج أبي السرايا
أمره به، و وقف أبو السرايا على القنطرة على فرس له أدهم محذوف، و قد اتكأ على رمحه فنام على ظهر الفرس حتى غط، و أهل الكوفة جزعون لما يرونه من عسكر زهير، و يسمعونه من تهددهم و وعيدهم، و هم يضجون و يصيحون بالتكبير و التهليل حتى يسمع أبو السرايا فينتبه من نومه، فلم ينتبه حتى ظن أن الكمين الذي بعثه قد انتهى إلى حيث أمره فصاح بفرسه: قتال، ثم قنعه حتى رضي بحفزه، ثم أومأ بيده نحو الكمين الذي بعثه، و صاح بأهل الكوفة: احملوا، و حمل و تبعوه فلم يبق من أصحاب زهير أحد إلاّ التفت نحو الإشارة.
و خالط أبو السرايا و غلامه سيار العسكر، و تبعه أهل الكوفة و صاح بغلامه:
ويلك يا سيّار ألا تراني، فحمل سيّار على صاحب العلم فقتله و سقط العلم، و انهزمت المسودة.
و تبعهم أبو السرايا و أصحابه و نادى: من نزل عن فرسه فهو آمن، فجعلوا يترجّلون، و أصحاب أبي السرايا يركبون، و تبعوهم حتى جاوزوا شاهي، ثم التفت زهير إلى أبي السرايا فقال: ويحك، أتريد هزيمة أكثر من هذه؟إلى أين تتبعني؟فرجع و تركه. و غنم أهل الكوفة غنيمة لم يغنم أحد مثلها، و صاروا إلى عسكر زهير بن المسيّب و مطابخه قد أعدت و أقيمت، و كان قد حلف ألاّ يتغدى إلاّ في مسجد الكوفة، فجعلوا يأكلون ذلك الطعام، و ينتهبون الأسلحة و الآلة [١] ، و كانوا قد أصابهم جوع و جهد شديد.
و مضى زهير لوجهه حتى دخل بغداد مستترا، و بلغ خبره الحسن بن سهل فأمر بإحضاره، فلما رآه رماه بعمود حديد كان في يده، فشتر إحدى عينيه، و قال لبعض من كان بحضرته: أخرجه فاضرب عنقه، فتشفعوا فيه، فلم يزل يكلم فيه حتى عفا عنه.
و دخل أبو السرايا الكوفة، و معه خلق كثير من الأسارى، و رؤوس كثيرة على الرماح مرفوعة، و في صدور الخيل مشدودة، و من معه من أهل الكوفة قد ركبوا الخيلو لبسوا السلاح، فهم في حالة واسعة، و أنفسهم بما رزقوه من النصر قوية.
و اشتد غم الحسن بن سهل و من بحضرته من العباسيين، لما جرى على عسكر
[١] الطبري ١٠/٢٢٧ و ابن الأثير ٦/١١٢.