نَهجُ الذِّكر - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥١
١١٠.الإمام عليّ عليه السلام ـ مِن كَلامٍ قالَهُ عِندَ تِلاوَتِهِ : «يُسَبعَزَّت آلاؤُهُ ـ فِي البُرهَةِ بَعدَ البُرهَةِ ، وفي أزمانِ الفَتَراتِ [١] ، عِبادٌ ناجاهُم في فِكرِهِم ، وكَلَّمَهُم في ذاتِ عُقولِهِم ، فَاستَصبَحوا بِنورِ يَقَظَةٍ فِي الأَبصارِ وَالأَسماعِ وَالأَفئِدَةِ ، يُذَكِّرونَ بِأَيّامِ اللّه ِ ، ويُخَوِّفونَ مَقامَهُ ، بِمَنزِلَةِ الأَدِلَّةِ فِي الفَلَواتِ [٢] ، مَن أخَذَ القَصدَ [٣] حَمِدوا إلَيهِ طَريقَهُ ، وبَشَّروهُ بِالنَّجاةِ ، ومَن أخَذَ يَمينا وشِمالاً ذَمُّوا إلَيهِ الطَّريقَ ، وحَذَّروهُ مِنَ الهَلَكَةِ ، وكانوا كَذلِكَ مَصابِيحَ تِلكَ الظُّلُماتِ ، وأَدِلَّةَ تِلكَ الشُّبُهاتِ . وإنَّ لِلذِّكرِ لَأَهلاً، أخَذوهُ مِنَ الدُّنيا بَدَلاً ، فَلَم تَشغَلهُم تِجارَةٌ ولا بَيعٌ عَنهُ ، يَقطَعونَ بِهِ أيّامَ الحَياةِ ، ويَهتِفونَ بِالزَّواجِرِ عَن مَحارِمِ اللّه ِ في أسماعِ الغافِلينَ ، ويَأمُرونَ بِالقِسطِ ويَأتَمِرونَ بِهِ ، ويَنهَونَ عَنِ المُنكَر ويَتَناهَونَ عَنهُ ، فَكَأَنّما قَطَعوا الدُّنيا إلَى الآخِرَةِ وهُم فيها ، فَشاهَدوا ما وَراءَ ذلِكَ ، فَكَأَنَّمَا اطَّلَعوا غُيوبَ أهلِ البَرزَخِ في طُولِ الإِقامَةِ فيهِ ، وحَقَّقَتِ القِيامَةُ عَلَيهِم عِداتِها ، فَكَشَفوا غِطاءَ ذلِكَ لِأَهلِ الدُّنيا ، حَتّى كَأَنَّهُم يَرَونَ ما لا يَرَى النّاسُ ، ويَسمَعونَ ما لا يَسمَعونَ .
[١] الفَتْرة : ما بين الرسولين من رسل اللّه تعالى من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة (النهاية : ج ٣ ص ٤٠٨ «فتر») .[٢] الفلاة : القَفْر أو المفازة لا ماءَ فيها ، أو الصحراء الواسعة (القاموس المحيط : ج ٤ ص ٣٧٥ «فلا») .[٣] القصد : الرشد . قصد في الأمر قصدا : توسّط وطلب الأسَدّ ، ولم يُجاوز الحدّ (المصباح المنير : ص ٥٠٥ «قصد») .