نَهجُ الذِّكر - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٨
فَقالَ : لَم يَجعَلِ اللّه ُ عزّوجلّ لَهُ حدّا يَنتهيَ إلَيهِ . قالَ : وكانَ أبي عليه السلام كَثيرَ الذِّكرِ ، لَقَد كُنتُ أمشي مَعَهُ وإنَّهُ لَيَذكُرُ اللّه َ ، وآكُلُ مَعَهُ الطَّعامَ وإنَّهُ لَيَذكُرُ اللّه َ ، ولَقَد كانَ يُحدِّثُ القَومَ وما يَشغَلُهُ ذلِكَ عن ذِكرِ اللّه ِ ، وكُنتُ أرى لِسانَهُ لازِقا بِحَنَكِهِ يَقولُ : لا إلهَ إلَا اللّه ُ . وكانَ يَجمَعُنا فَيَأمُرُنا بِالذِّكرِ حتّى تَطلُعَ الشَّمسُ . ويَأمُرُ بِالقِراءَةِ مَن كانَ يَقرأُ مِنّا ومَن كانَ لا يَقرَأُ مِنّا أَمرَهُ بِالذِّكرِ . [١]
معنى الذكر
إنّ حقيقة الذكر هي توجه القلب إلى خالق العالم والإحساس بأن العالم في محضر اللّه وأن الإنسان في حضوره . وهذا المعنى لا يتحقق إلّا بشرطين هما المعرفة الحقيقية للّه ـ تعالى ـ والتوجّه إليه . بعبارة أوضح ، فإن الإنسان ما لم يعرف الخالق الحقيقي للعالم فإنه لا يستطيع أن يذكره ، وعلى هذا الأساس فإن الذين يعبدون شيئا غير المعبود الحقيقي ، فإنّهم لا يذكرونه في الحقيقة ، بل يذكرون ظنونهم : «إِنْ هِىَ إِلَا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَ ءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـنٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَا الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الْأَنفُسُ» . [٢] فعندما يعرف الإنسان إلهه الحقيقي ، ويرى نفسه في محضره ، فإنّ أوّل آثار ذكر اللّه ـ تعالى ـ هو طاعته ولذلك ، فكلما زادت معرفة الإنسان وذكره لخالقه ، ازدادت طاعته له . على هذا ، فإنّ أداء الواجبات الإلهيّة وترك المحرّمات ، هما علامة المعرفة
[١] ذكر أهل التفسير أنّ الذكر في القرآن على أوجه، منها : أحدها : الذّكر باللسان . ومنه قوله تعالى في (البقرة : ٢٠٠) : «فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا» وغيرها . الثاني : الذّكر بالقلب . ومنه قوله تعالى في (آل عمران : ١٣٥) : «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـحِشَةً أَوْ ظَـلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ» ، وقيل : هو الندم . الثالث : الحديث . ومنه قوله تعالى في (يوسف : ٤٢) : «اذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ» . ومثله : «وَاذْكُرْ فِى الْكِتَـبِ إِبْرَ هِيمَ» (مريم : ٤١)، «وَ اذْكُرْ فِى الْكِتَـبِ مُوسَى» (مريم : ٥١) . الرابع : الخبر . ومنه قوله تعالى في (الكهف : ٨٣) : «قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا» . الخامس : العظة . ومنه قوله تعالى في (الأنعام : ٤٤) : «فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَ بَ كُلِّ شَىْ ءٍ» . السادس : الوحي . ومنه قوله تعالى في (الصّافّات : ٣) : «فَالتَّــلِيَـتِ ذِكْرًا» . السابع : القرآن . ومنه قوله تعالى في (الأنبياء : ٥٠) : «وَ هَـذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ» . الثامن : التّوراة والكتب السابقة . ومنه قوله تعالى في (النحل : ٤٣) : «فَسْـئلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» . التاسع : الشّرف . ومنه قوله تعالى في (الزخرف : ٤٤) : «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَ لِقَوْمِكَ» . العاشر : الطّاعة . ومنه قوله تعالى في (البقرة : ١٥٢) : «فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ» . أي أطيعوني أغفر لكم . الحادي عشر : البيان . ومنه قوله تعالى في (البقرة : ١٥٢) : «أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ» . الثاني عشر : الصّلوات الخمس . ومنه قوله تعالى في (البقرة : ٢٣٩) : «فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ» . الثالث عشر : صلاة الجمعة . ومنه قوله تعالى في سورة (الجمعة : ٩) : «فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُواْ الْبَيْعَ» . الرابع عشر : صلاة العصر . ومنه قوله تعالى في (ص : ٣٢) : «إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى» . الخامس عشر : الرّسول . ومنه قوله تعالى في (الطلاق : ١٠ و ١١) «قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا» قيل : إنّ أنزل هاهنا بمعنى أرسل . وهذه الآيات التي استشهد بها لهذه المعاني تحتملها وغيرها (نظرة النعيم : ج ٥ ص ١٩٦٤ ـ ١٩٦٥) .[٢] راجع : ج ١ ص ٥٩ (حكمة العبادة) .[٣] راجع : ج ١ ص ٦٢ ح ١٥٣ .[٤] الأحزاب : ٤١ و ٤٢ .[٥] راجع : ج ١ ص ٣٢ ح ٣١ .[٦] النجم : ٢٣ .[٧] راجع : ج ١ ص ٦٧ ح ١٦٦ .