السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٣٤٨ - شطر آخر من وصيته عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية (ره)
المعونة على نفسها مثل الذي بالشمس للابصار، على استثباتها والاستبانة لها، فمن صح بصر نفسه، ثم وصل بما صح منه الى ما يرد عليه من الحكمة، أو رابه شئ من الامور ثم يمنعه ما فاته منها ان يسمى حكيما، ويلحقه ما ظفر به بالحكماء، كما لايمنع البصر ما فاته من المبصرات من ان يدعى بصيرا ويلحقه بالبصراء، فإذا صح لك من عقلك ما تعرف به وجوه الحكمة، وترغب به في الخير، وتميز بينه وبين الشر، فليس بشهادة الناس ولا بما يسمونه حكمة تكون حكيما، ولا بعقولهم تعد من العقلاء، ولا بسائر ما يثنون عليهم من ودهم ونصائحهم تكون فاضلا، وانما الناس رجلان: رجل لاخير فيه، جاهل بحقيقة الحكمة، فليس ملتفتا إليه، ورجل من اهل الحكمة لا يمنعك مما سهل الله لك به سبيل الخير، بل يبذله لك، لانه ليس يباع بثمن، ولا يمنع من طالب، ولا يكتتم كاكتتام الذنوب، واعلم ان العقل متوجه اينما وجه، وله غناء أينما صرف، وبعض مصارفه أنفع من بعض، فإذا صرف الى الدين أحكمه وتفقه فيه، وإذا صرف الى الدنيا أغني بها واحتال فيها فليس مستودعا شيئا الا حفظه، ولا مصبوغا بصبغ الا قبله، ولا محملا رشدا ولاغيا الا تحمله، فاياك ان تعدله عن رشد، أو تصرفه الى غي عامدا أو مخطئا، فانك لست محكما به شيئا من أمر دنياك الا أضعت به اكثر منه من امر دينك، ولا حافظا به شيئا من الادب غير النافع الا أضعت به اكثر منه من نافع الادب، غير انك تجمع الى ضياع العناية بما لا ينفع استيجاب التبعة فيما اضعت، وليس شئ من امر الدنيا صرفت إليه عقلك فاحكمته الا سيعود محكمه عن وشيك ضائعا، وصالحه فاسدا لا يصحبك شئ منه في آخرتك، ولا يوثق ببقائه لك في دنياك، وانما وهن امر صاحب الدنيا وبطل سعيه، لانه بنى في غيره داره، وغرس في غير أرضه، فلم يكن له - حين جاء من يشخصه - الا ان ينقضه ويدعه لغيره، ومن أخطاه العقل ظهر