السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٩١ - ومن وصية له عليه السلام لما حضرته الوفاة
حتى قيل: انه طبيعة ثانوية، وقيل: الانسان مجبول على السهو والنسيان: فأي محقق في صنعته لم يصدر منه في اموره خطأ أو سهو أو نسيان، واي ذي عناية في عمل من الاعمال، لم يبتل بالغفلة والذهول، واي كاتب لم يبدل العقول بالبقول، والفصول بالفضول ؟ ! والحاصل ان سليم بن قيس الهلالي رحمه الله، من أعيان الطائفة: وكتابه من الاصول المعتبرة، وحسبك شاهدا على تبرزه وكونه من اولياء امير المؤمنين عليه السلام، موته في ديار الغربة وهو خائف يترقب، ومرعوب وجل، مع انه لو كان مريدا للدنيا، ويروقه التقرب الى سلاطين زمانه، وطواغيت ايامه - امثال ابي هريرة، وسمرة بن جندب، ومن على شاكلتهما - كان متمكنا بشتى الوسائل من التقرب إليهم، وهضم حلوائهم، ولبس زيهم، وأكل فريستهم، لان الملوك وآكلي أموال الناس بالباطل، في حاجة شديدة الى التشبث باهل العلم والصلاح، ليتخذوا بهم مال الله دولا، وعباد الله خولا، فيأكلوا الدنيا باسم الدين، ويسيطروا على أموال الفقراء والمساكين، ويتأمروا على العالمين، ولاجله ينوهون باسم من يوافقهم ويعظمونه فوق حد التعظيم، ولو لم يميز السين من الشين، ولم يعرف الصاد من الضاد، ويحطون من مقام من خالفهم ولو كان اعلم أهل الارض، بل ولو كان نفس القداسة والروحانية، وعين العلم والعدالة والانسانية ! ! ومن صعب عليه تصديق ما ذكرنا، وتشخيص اهل زمانه، فليراجع الى تاريخ بني امية، وما صنعوا مع امير المؤمنين (ع) واوليائه، وما اختلقوا لاعدائه ومبغضيه، فانه يرى الامر جليا، فيصدق ما قلناه، لان الزمان اشباه، والبشر اشكال.
واما كتابه فكفى في اعتباره ان علماءنا خلفا عن سلف تمسكوا بمطالبه، وجعلوها دليلا ومصدرا لدعاويهم.