مطلع انوار - حسینی طهرانی، سیّد محمّد حسین - الصفحة ١٦٨ - خطب١٧٢٨ شقشقیّه أمیرالمؤمنین علیه السّلام
(ثُمّ تَمَثَّلَ بقَولِ الأعشَی:)
|
شَتّانَ ما یَوْمی علَی کورِها |
و یَـومُ حَیّـانَ أخِـی جـابِرِ |
فَیا عَجَبًا! بَینا هُوَ یَستَقیلُها فی حَیاتِه، إذ عَقَدَها لآخَرَ بَعدَ وَفاتِه! لَشَدَّ ما تَشَطَّرا ضَرعَیْها، فصَیَّرَها فی حَوزَةٍ خَشناءَ، یَغلُظُ کُلامُها و یَخشُنُ مَسُّها و یَکثُرُ العِثارُ فیها و الاعتِذارُ مِنها. فَصاحِبُها کَراکِبِ الصَّعبَةِ، إن أشنَقَ لَها خَرَمَ و إن أسلَسَ لَها تَقَحَّمَ. فمُنِیَ النّاسُ ـ لَعَمرُ اللَهِ! ـ بخَبطٍ و شِماسٍ و تَلَوُّنٍ و اعتِراضٍ. فصَبَرتُ علَی طولِ المُدَّةِ و شِدَّةِ المِحنَةِ، حتّی إذا مَضَی لسَبیلِه جَعَلَها فی جَماعَةٍ زَعَمَ أنّی أحَدُهُم.
فَیا لَلّهِ و لِلشّورَی! متَی اعتَرَضَ الرَّیبُ فیَّ مَعَ الأوّلِ مِنهُم، حتّی صِرتُ أقرَنُ إلی هَذِه النّظائرِ؛ لَکِنّی أسفَفْتُ إذ أسَفُّوا و طِرتُ إذ طارُوا.
فصَغا رَجُلٌ مِنهُم لضِغْنِه، و مالَ الآخَرُ لصِهْرِه مَعَ هَنٍ و هَنٍ، إلَی أن قامَ ثالِثُ القَومِ نافِجًا حِضنَیْهِ بَینَ نَثیلِه و مُعتَلَفِه، و قامَ مَعَهُ بَنو أبیهِ یَخضَمونَ مالَ اللَهِ خِضمَةَ الإبِلِ، نِبتَةَ الرَّبیعِ، إلی أنِ انْتَکَثَ علَیهِ فَتلُهُ، و أجهَزَ علَیهِ عَمَلُه و کَبَتْ بِه بِطنَتُه.
فَما راعَنی إلّا و النّاسُ کعُرْفِ الضَّبُعِ إلَیّ، یَنثالونَ علَیَّ مِن کُلِّ جانِبٍ، حتّی لقَد وُطِئَ الحَسَنانِ و شُقَّ عِطْفایَ، مُجتَمِعینَ حَولِی کرَبیضَةِ الغَنَمِ. فلَمّا نَهَضتُ بالأمرِ نَکَثَت طائفَةٌ و مَرَقَت أُخرَی و قَسَطَ آخَرونَ؛ کأنّهُم لَم یَسمَعوا اللَهَ سُبحانَهُ یَقولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).[١] بَلَی، و اللَهِ! لقَد سَمِعوها و وَعَوْها، ولَکِنّهُم حَلِیَتِ الدُّنیا فی أعیُنِهِم و راقَهُم زِبرِجُها!
أما! و الّذی فَلَقَ الحَبَّةَ و بَرَأ النَّسَمَةَ، لَولا حُضورُ الحاضِرِ و قیامُ الحُجَّةِ بوُجودِ النّاصِرِ، و ما أخَذَ اللَهُ علَی العُلَماء أن لا یُقارُّوا علَی کِظَّةِ ظالِمٍ و لا سَغَبِ مَظلومٍ،
[١]ـ سوره القصص (٢٨) آیه ٨٣.