أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٥٥ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
«ثمّ إن سلاطين آل عثمان تلافوا أمر هذا التراجع باحترامهم للشريعة [٣٨] إلّا أنّ هذه الخلافة العثمانية هي أيضا تراجع أمرها لمّا قصّرت في إجراء المصالح الملكيّة على مقتضى الشرع و القوانين السياسية [٣٩] فنتج عن ذلك أمران هائلان و هما تدخّل الانكشارية من جهة و تداخل الأجانب من جهة أخرى في أحوال المملكة فكان إفساد السياسة العثمانية بما يناسب أغراضهم.
و أخيرا تدارك أمر الخلافة العثمانية السلطان محمود (١٨٣٩ م) و ولداه عبد المجيد (١٨٦١ م) و عبد العزيز (١٨٧٦ م) بتعويض الأوّل عساكر الانكشارية بالعسكر النظامي و ضبط الثاني للسياسات الشرعية بالتنظيمات الخيرية سنة ١٨٣٩ [٤٠].
هذه نظرة خير الدين إلى تطوّر التمدّن الإسلامي عبر العصور، فهو رهين تطبيق الشريعة.
ب- إلغاء الحكم المطلق: الظلم مؤذن بخراب العمران:
و إن اعتراه التراجع فمردّ ذلك حكم الإطلاق و الظلم و خير الدين هنا متأثّر إلى حدّ بعيد بنظرية ابن خلدون في العمران شأنه في ذلك شأن ابن أبي الضياف [٤١] و سائر المصلحين التونسيين في القرن التاسع عشر.
يقول خير الدين:
«و من تصفّح الفصل الثالث من الكتاب الأوّل من مقدّمة ابن خلدون رأى أدلّة ناهضة على أن الظلم مؤذن بخراب العمران كيفما كان و بما جبلت عليه النفوس البشرية كان إطلاق أيدي الملوك مجلبة للظلم على اختلاف أنواعه
[٣٨] المصدر نفسه، ١٦٣.
[٣٩] المصدر نفسه، ١٦٤.
[٤٠] المصدر نفسه، صص ١٦٥- ١٦٧.
[٤١] إتحاف،I ، مقدمة (متفرّقات).