أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٢٣ - شهادة النصارى على ذلك تاريخ دروي
و فيه يقول: «كانت الآداب قبل انتشار العرب من جزيرتهم متأصّلة فيهم مؤدّاة بلغتين: الحميرية في اليمن، و القرشية في الحجاز. و بالأخيرة جاء القرآن. (و لا يخفى عليك أنّ الذي يقابل الحميرية هو المضرية، و إن وقع الإجماع في القراءة على خصوص القرشية) و لذلك اشتهرت و استمرّ خلوصها إلى وقتنا هذا باستمرار كتب العلوم و الديانة، و ما دخلت العجمة في اللّسان إلّا بدخول الأمم في الإسلام، و تطاول السنين».
«و للغة المذكورة من الاتّساع و سعة المجال ما لا يخفى على مثافنها [٧٠]، لا سيّما في الأشياء التي بها قوام المعيشة في البادية، أو تتكرّر رؤيتهم لها، أو تكثر حاجتهم إليها، فقد يكون للشيء الواحد عدّة أسماء باعتبار تعدّد صفاته و أحواله. و بكثرة الترادف عندهم اتّسعت لهم دوائر الآداب الشعرية، إذ يقال إن للعسل عندهم ثمانين إسما، و للثعبان مائتين، و للأسد خمسمائة و للجمل ألفا، و كذا السيف، و للداهية [٧١] نحو أربعة آلاف إسم. و لا جرم أن استيعاب مثل هذه الأسماء يستدعي حافظة قويّة. و للعرب من قوّة الحافظة، و حدّة الفكر ما لا يسع أحدا إنكاره، فمن مشاهيرهم حمّاد الرّاوية [٧٢]، الذي ذكر يوما للخليفة الوليد [٧٣] أنّه ينشد له في الحال مائة قصيدة. و القصيدة (من عشرين إلى مائة بيت) فتعب المستمع قبل المنشد».
إلى أن قال: «و لم يكن للعرب في أوّل الأمر إلّا تلك الآداب. ثمّ لمّا اتّسعت لهم دوائر الفتوحات، و اختلطوا بالأمم الذين سبقوهم في الحضارة
[٧٠] مثافنها: من ثافن: لازم الشيء حتى يعرف حقيقته.
[٧١] الداهية: المصاب الجلل.
[٧٢] حمّاد الرّاوية: ولد في الكوفة سنة ٧٥/ ٦٩٤ و مات بها سنة ١٥٦/ ٧٧٥، اشتهر بقوّة حفظه للشعر الجاهلي و الإسلامي له الفضل في جمع المعلّقات، أنظر: دائرة المعارف الإسلامية، ط ٢،III ، ١٣٨/ ١٣٩.
[٧٣] الوليد بن يزيد: الخليفة الأموي الحادي عشر (٧٤٣/ ٧٤٤) مات مقتولا و كان شاعرا و أديبا ظريفا.