أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٢١ - ما كان للأمّة الإسلامية من الثروة و الشوكة و المعارف نتيجة تأسيس العدل
«لمّا سار المأمون [٦٥] في قرى مصر، و كان يقيم بالقرية يوما و ليلة اجتاز بقرية يقال لها طاء النمل، و لم يقم بها، فتوسّلت إليه عجوز كبيرة بالقرية في الإقامة، فأسعفها. و أحضرت من لوازم نفقة الخليفة و جنوده، ما عظم لديه أمره و أهدت له حين عزم على الرحيل عشرة أكياس من سكّة الذهب- كلّها ضرب عام واحد، فازداد تعجّبه، و قال: «ربّما يعجز بيت مالنا عن مثل هذا». و ردّ عليها ما لها رفقا بها، فلم تقبل. و قالت: «هذا- مشيرة إلى الذهب- من هذه، أي طينة الأرض، ثمّ من عدلك يا أمير المؤمنين. و عندي من هذا شيء كثير» [٢٢]. فقبله و أعظم جائزتها. انتهى بتصرّف و اختصار.
حكى أيضا أنّ خراج مصر بلغ في زمن الخلفاء الراشدين أربعة عشر مليون دينار، و قدرها،- بسكّة الوقت- نحو سبعمائة مليون فرنك. و هذا المبلغ دخل إيالة واحدة، مع الإنصاف في الجباية.
و حكى ابن خلدون في المقدّمة أن المحمول إلى بيت المال، في أيّام الرشيد العبّاسي، بلغ إلى سبعة آلاف و خمسمائة قنطار ذهبا. و قدر ذلك تقريبا ألف و أربعمائة مليون فرنك. و هذا دون ما يؤخذ من العين.
و يدّل على القوّة العسكريّة الناتجة من عدل الشريعة، و اتّحاد الأمّة، ما تيسّر لهم من الفتوحات التي يشهد بها المؤرّخون من الفريقين، و يصدّقها العيان، ففي قرّة العيون الذي ترجمه الشيخ أحمد الزرابي [٦٦] المصري من
[٦٥] المأمون: (٨٣٣- ٨٧٦) ابن هارون الرشيد، أحبّ الفرس فلم يكسب ودّ العرب- غلب البزنطيين قرب طرسوس، انحاز إلى مذهب المعتزلة و في عصره ازدهرت العلوم و الفنون الإسلامية.
[٦٦] مصطفى السيّد أحمد الزرابي: (لا الزرافي و هو خطأ مطبعي كما في الطبعة الأولى) (م.
١٨٥٤)، كان من الذين وجّههم محمّد علي في بعثات علمية إلى فرنسا و عمل بعد رجوعه كمترجم حكومي، صاحب: قرّة النفوس و العيون بسير ما توسّط من القرون، ط. بولاق ١٢٦٢.
أنظر: الزركلي، الاعلام،VII ، ١٣٦.
سركيس، معجم، ٩٦٥.