أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٧٦ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
و في سنة ١٨٦٧ و هي السّنة الشهباء على حدّ تعبير الشيخ ابن أبي الضياف كما سلف.
القرن العصيب:
إن خصائص المجتمع التونسي الأساسية في العصر الحديث هي انقسامه إلى مجموعتين غير متوازنتي النموّ: من جهة أهل الحضر، خاصّة في المناطق السّاحلية و من جهة أخرى أهل الريف مع ما ينتج عن هذا التفاوت من استغلال و ظلم و جور ثمّ إنّ الخاصيّة الثانية هي تفتّح البلاد التونسية على البحر. و لقد كان للقرصنة دور ضعف شيئا فشيئا عند ما حجّرته أوروبا سنة ١٨١٥.
فخير الدين عاش ردحا من هذا القرن العصيب الذي اتّسم بتغيّر التبادل الاقتصادي مع أوروبا و بغزو الرأسمالية و عملائها للمجتمع التونسي التقليدي كما لامس بحكم مسؤولياته الحكومية (وزير للبحر و عضو المجلس الخاصّ للباي و رئيس المجلس الأكبر) ما كانت تعانيه الأمّة التونسية حكومة و شعبا من جرّاء هذا الغزو الرأسمالي الأوروبي، لا أدلّ على ذلك من معارضته لمبدإ الاقتراض من أوروبا و لانتصاب المحاكم القنصلية بالإيالة التونسية و كان هذا الموضوع الأخير من بين أغراض رحلاته إلى أوروبا.
لذا نريد أن نؤكّد على أنّ خير الدين في أقوم المسالك على الأقلّ يدعو إلى الاقتباس عن أوروبا المتحضّرة و المتمدّنة لا الامبريالية و المتحفّزة للاستعمار.
أمّا على الصعيد الدّاخلي، فلقد اتّسم هذا «القرن العصيب» بأبشع سمات الحكم المطلق و هي الاعدامات السياسية و العزل و سياسة الابتزاز الجبائي للمجموعتين: أهل الحضر و أهل الرّيف خاصّة، ممّا جعل بعض «الأعيان» يحتمون بالأجانب.
و لقد رأينا في تحليلنا للمقدّمة أن مبدأ السياسة الشرعية كان الجسر الذي عبر بواسطته و سائر المصلحين بعده السبيل إلى الدّعوة إلى الاقتباس عن