أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٥١ - تحليل مقدّمة أقوم المسالك
تكن ثابتة لها من قديم الزمان لأنّها كانت بعد هجوم البرابرة و سقوط الدول الرومانية سنة أربعة مائة و ستّ و سبعين مسيحية على أنظم حال التّوحّش و الاعتداء و الجور آخذة في حركة السقوط التي هي أسرع من الصعود طبعا و لم تزل في ربقة الرقّ لملوكها و كبراء الأمم الجائرة المسميّن بالنوبليس إلى زمن ولاية الامبراطور شارلمان ملك فرنسا. ثمّ بعد وفاته رجعت أوروبا إلى غياهب جهالتها و ظلم ولّاتها» [٢٢].
ثمّ يثنّي بحجّة يردّ فيها على ابن خلدون و بعض فلاسفة أوروبا في القرن الثامن عشر «و لا يتوهّم أن أهلها (أوروبا). وصلوا إلى ما وصلوا إليه بمزيد خصب أو اعتدال في أقاليمهم. إذ قد يوجد في أقسام الكرة ما هو مثلها أو أحسن» [٢٣] و ينتهي إلى الدين المسيحي الذي لا يعزى له تقدّم أوروبا: «و لا أنّ ذلك من آثار ديناتهم إذ الديانة النصرانية و لو كانت تحثّ على إجراء العدل و المساواة لدى الحكم لكنّها لا تتداخل في التصرّفات السياسية لأنها تأسّست على التبتّل و الزهد في الدنيا حتّى أن عيسى ٧ كان ينهى أصحابه على التعرّض لملوك الدنيا فيما يتعلّق بسياسة أحوالها قائلا: «إنّه ليس له ملك في هذه الدنيا» لأنّ سلطان شريعته على الأرواح دون الأشباح. و الخلل الواقع في ممالك البابا كبير الديانة النصرانية لامتناعه في الاقتداء بالتراتيب السياسية المعتبرة في بقيّة الممالك الأوروباوية دليل واضح على ما ذكرناه» [٢٤].
تجرّه هذه المقارنة إلى تفضيل الدين الإسلامي على المسيحي: «إن الشريعة الإسلامية كافلة بمصالح الدارين ضرورة أن التنظيم الدنيوي أساس متين لاستقامة نظام الدين» [٢٥].
[٢٢] أنظر أسفله: ص ١٢٥.
[٢٣] أنظر أسفله: ص ١٢٥.
[٢٤] إتحاف،I ، ٣٢، أنظر في قضية الفصل بين الدين و السياسة في الديانة المسيحية.
Fustel de Coulanges: La Citeantique, Paris, ٤٦٨١, LivreV, chap. III
[٢٥] أنظر أسفله: ص ١١٥.