أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٧٤ - الفصل الأول في تاريخها
ثمّ في مدّة لويز السّادس عشر انتقمت فرنسا من إنكلترة بإعانة أهل أمريكا حرصا على استقلالهم بحكمهم و ذلك من سنة خمس و سبعين و سبعمائة و ألف إلى سنة ثلاث و ثمانين و سبعمائة و ألف.
ثمّ في سنة تسع و ثمانين و سبعمائة و ألف وقعت الثّورة الفرنساوية [١٧] التي ساقت الملك لويز السادس عشر إلى مقتله و عوّضت الملك بالربوبيلك (أي
[١٧] الثورة الفرنسية: الطهطاوي، تخليص، ١٩٦- ١٩٧- ١٩٩، يستعمل فتنة و خروج عن طاعة الملك. كاليقاريس سيرة نابليون، ص ص ٨- ١٠، في انقلاب فرنسا سنة ١٧٨٩.
- الشّدياق: كشف المخبأ، ص ٢٤٤، يستعمل فتنة.
- بيرم الخامس: صفوة الاعتبار،III ، ص ١٠٢ الثورة العامّة و هي بداية «التاريخ الجديد» لفرنسا.
- محمّد السنوسي: الاستطلاعات: لا يذكر ذلك و يبدأ بنابليون الثالث.
- محمّد بلخوجة: سلوك الإبريز، ص ٢٨ يستعمل فتنة.
ان الصفحات الثلاث الموالية ليست مجرّد استطراد لعرض آراء شخصية فقط بل هي بمثابة وثيقة من الدرجة الأولى تترجم عن آراء خير الدين السياسية، فالثورة ليست فتنة و لا خروجا و لا انقلابا بقدر ما هي تغيير نحو الأصلح لفائدة المجموعة الوطنية أو الإنسانية، إنّ هذه الصفحات حرّرت- كما بيّنا ذلك في تمهيدنا ل أقوم المسالك- و البلاد التونسية تعيش انتفاضة شعبية، ثورة علي بن غذاهم (من أفريل ١٨٦٤ إلى ١١ أكتوبر ١٨٦٧ تاريخ وفاة علي بن غذاهم في السجن بحلق الوادي) و هي ثورة آلت إلى تعطيل «الاصلاحات» ان لم نقل إلى فشلها الذريع.
و لقد تفطّن إلى هذه المعاني الأستاذ أحمد عبد السلام، إذ يقول: «تنتج الثورة اذن نظاما و مصلحة و خيرا: هذا معنى جديد بالنسبة إلى التفكير الإسلامي التقليدي الذي تعوّد أن يسمّى الخروج على الحكّام فتنة و بغيا. و كانت الفتن تعتبر شرّ الشرور و لذا وجب اجتنابها مهما كانت الأحوال و الظروف ... و هذا المعنى التقليدي قد رسخ في الأذهان و خالط الأفكار و سرى في اللّغة إلى حدّ أنّ رواسبه بقيت ظاهرة في كتاب «أقوم المسالك» بجانب هذه الفقرات التي رويناها و التي تدلّ على تفكير جديد إزاء الثورات الحديثة. فإن كانت الثورة كعمل جماعي و اجتماعي قد مثّلت في بعض بلدان أوروبا بداية عهد جديد صلحت فيه الأمور و انتظمت، فالثائر ما زال يعتبر باغيا في كثير من صفحات مقدّمة «أقوم المسالك».
... فالثورة الأنقليزية و الثورة الفرنسية بعدها أنتجتا نظاما جديدا أقرب إلى الحكمة و العدل و أكثر حريّة من نظم الحكم القديمة فأصلحت ما فسد من الأوضاع و جلبت الثروة و العمران، بخلاف الانقلابات الداخلية التي تحدّث عنها خير الدّين».
أ. عبد السلام، مواقف إصلاحية، ١٢٥- ١٢٧.
برنارلويس، اللغة السياسية، فتنة و ثورة و انقلاب، صص ١٤٦- ١٤٨ (تحليل ممتع و طريف لمصطلح الفتنة و ربط للإغراء بالطموح إلى التغيير في نظام الحكم).