أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٢٠٢ - مسؤولية الوزراء المباشرين
و من آثار المسؤولية المذكورة أنّ أمور الإدارة المتقدّم أنّها من حقوق صاحب الدولة، و يتوقّف إنجازها على إجازة الوزراء، و حيث لا يبرم أمرا منها حتّى يستشيرهم، و إنّهم لا يمكنهم البقاء في الخدمة إلّا إذا كان غالب أعضاء مجلس الوكلاء موافقا في سياستهم، فعلم أن المجلسين المذكورين لا يتداخلان في تفاصيل الإدارة، و إنّما دأبهما وضع القوانين و حفظهما بالاحتساب على الدولة. و من أعمالهما عند الاجتماع النظر و إعطاء الرأي فيما يعرض على كلّ منهما من النوازل المهمّة الداخليّة و الخارجيّة، و سؤال الوزراء عمّا يظهر لهما متى شاءا، و القدح في سيرتهم خصوصا مجلس الوكلاء. و على الوزراء الجواب عن جميع ذلك، و تقع المجادلة بالمجلس علنا بين القادح و المدافع، ليتّضح الحال و يظهر المصيب من المخطئ، فإذا اتّفق غالب مجلس الوكلاء على تصويب سياسة الوزراء، بعد التأمّل في أدلّة القادح و المدافع، تيسّر للوزراء البقاء في الخدمة، و تحصل [٨٤] حينئذ فائدة الدولة و المملكة.
أمّا الدولة فبكون المجلس لا يتوقّف بعد ذلك في أن يسوّغ لها أخذ ما تقتضيه المصلحة من المال و الرّجال، لأنّ من وافق على المصلحة و على حسن سيرة مباشرها لا يمتنع من إعطاء ما يلزم لإنجازها.
و أمّا فائدة المملكة فبثبوت سيرة المباشرين لمصالحها فيهون عليها صرف أموالها و دماء أبنائها حيث كانت فيما يعود بالنفع عليها.
و بمثل هذا يستقيم حال الدولة و المملكة و لو كان الملك أسير الشهوات أو ضعيف الرأي كما تقدّم.
و أمّا إذا اتّفق غالب المجلس على عدم استحسان سياسة الوزراء فيجب على الملك عند ذلك أحد أمرين: إمّا تبديل الوزراء المشار إليهم، أو حلّ مجلس الوكلاء، على أن يعيد الأهالي الانتخاب في مدّة معلومة، فإذا انتخبوا من يكون أشهر باللّين و المساعدة للدولة دلّ ذلك على رضاهم بسياستها،