أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٣١ - شهادة سدليو
«و بعد انقسام ممالك الإسلام لم تتعطّل العلوم و الآداب التي نتجت على أيديهم، فإنّ خلفاء بغداد و قرطبة و مصر، و إن ضعفت قوّتهم الملكيّة و السياسيّة، فإنّ سلطنتهم الروحانية لم تزل قويّة في كلّ جهة لاجتهادهم في توسيع دوائرها بقدر طاقاتهم».
و قد نال النصارى، الذين استطاعوا إخراج العرب من إسبانيا بالخلطة معهم في الحروب، معارفهم و صنائعهم و اختراعاتهم. ثمّ المغل و الترك الذين تسلّطوا على آسيا و تداولوها كانوا خدمة (*) في العلوم لمن تغلّبوا عليه من فرق العرب».
«و إلى الآن لم نطّلع في أوروبا على الأصول- التي تبيّن لنا عادات العرب- اطلاعا تامّا، إذ لم يعرف عندنا من تواريخهم إلّا تواريخ أبي الفداء و أبي الفرج و المقريزي و ابن الأثير [٩٤]، و نبذة من تاريخ ابن خلدون. و نجهل بالمرّة تواريخ كثيرة نودّ لو نجد من يترجمها لنا، و إن كان المقدار الذي حصل عندنا كافيا في ردّ غلط من غلط من أهل أوروبا في شأن العرب».
«ثمّ إنّي ذكرت في تاريخنا هذا ما يتعلّق بفتوحات الخلفاء الأولين و بتاريخ دولة بني أميّة بدمشق و قرطبة، و بتاريخ دولة بني العبّاس ببغداد. و الفاطميين بمصر، و بانقسام الممالك الإسلامية بالمشرق بعد تسلّط الترك و المغل عليهم، فبيّنت جميع ذلك بقدر الطاقة، و زدت عليه شيئا لم يوجد في التواريخ السالفة، و هو برنامج التمدّن العربي الذي قد توشّجت عروقه في الدنيا القديمة، و استمرّت آثاره ظاهرة إلى الآن لكلّ من يبحث بالجدّ عن أصل المعارف منّا».
* خدمة ج. خادم.
[٩٤] ابن الأثير: عز الدين أبو الحسن علي (٥٥٢- ٦٣٠/ ١١١٠- ١٢٢٣) من مواليد الموصل، حارب الصليبيين في جيش يقوده صلاح الدين الأيوبي. صاحب كتاب الكامل في التاريخ.
أنظر: دائرة المعارف الإسلامية، ط ٢،III ، ٧٤٦- ٧٤٧.