أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٣٢ - شهادة سدليو
«و في أوائل القرن الثامن من تاريخنا تبدّل ولوعهم بالفتوحات بالجدّ في المعارف و العلوم، فكانت إذ ذاك قرطبة و مصر و طليطلة و فاس و الرقة [٩٥] و أصفهان و سمرقند [٣٠] تتسابق في ميدان العلوم مع بغداد تحت بني العبّاس، و ترجمت في تلك المدّة كتب اليونان، و قرئت بالمدارس و شرحت. و سرت حركات عقولهم في جميع موادّ المعارف الإنسانية، فنتج عنها من الاختراعات الغريبة ما شاع صيته في أوروبا».
فتبيّن بلا إشكال أنّ العرب هم أساتذنا بلا إنكار لكونهم جمعوا الأدوات المؤسّسة عليها تواريخنا المتوسّطة، و بدؤوا بكتابة الرحلات، و اخترعوا التأليف في تاريخ وفيات الأعيان، و وصلوا في صناعة اليد إلى غاية لا تحدّ.
و بقيّة آثار أبنيتهم ممّا يدلّ على اتّساع معارفهم و كذلك اختراعاتهم الغريبة تزيد بيانا لفضائلهم التي لم ينزلوا بها إلى الآن منزلتهم التي يستحقّونها بسببها، فإنّ علوم الفيزيك و الطبّ و التاريخ الطبيعي و الكيمياء و الفلاحة لمّا جاءت في أيديهم ازداد فيها الغريب، مع كونها من المحسوسات التي لا تصرف لها هممهم صرفا تامّا. فكيف بالعلوم العقلية التي اجتهدوا فيها اجتهادا يفوق الحدّ من مبدأ القرن التاسع (٩) إلى انتهاء القرن الخامس عشر؟» (١٥).
«ثمّ نقول: ما نسبة ما عرفناه الآن منهم ببحثنا إلى ما بقي مجهولا لنا من ذلك؟».
«و بالجملة فالعرب هم منبع معارفنا و لم نزل إلى الآن نطلّع على أشياء من مختراعاتهم التي كانت منسوبة لغيرهم كلّما قرأنا كتبهم».
ثمّ قال في شأن التمدّن العربي: «إنّهم كانوا في القرون المتوسّطة مختصّين بالعلوم من بين سائر الأمم، و انقشعت بسببهم سحائب البربرية التي امتدّت على أوروبا حين اختلّ نظامها بفتوحات المتوحّشين، و رجعوا إلى الفحص
[٩٥] الرقّة: قاعدة ديار مضر في الجزيرة على الفرات.