أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١٣٠ - شهادة سدليو
«إنّي منذ مدّة طويلة تنيف على العشرين سنة مشتغل ببيان مزايا العرب على غيرهم من الأمم، فيما يتعلّق بالعلوم و التقدّم في التمدّن مدّة قرون متطاوية، من أيّام اليونان بالإسكندرية إلى أيّام العصر الجديد. فلزمني أن أجمع ما تيسّر لي من الأدلّة على عظم هذه الأمّة التي لم يعرف قدرها إلى الآن، و أعرضه على ما لغيري ممّن تكلّم عليها، فيتأسّس تاريخا لها عموميا و ان كان ذلك ممّا لا تفي به طاقة إنسان واحد».
«و قبل الشروع في ذلك، على وجه الاختصار، يلزمني أن أندب الناس إلى التّأمّل في أحوال هذا الجنس، الذي كان كثير الفتوحات، عديم الاستيلاء عليه في سائر مغازيه، و لم يزل مدّة أربعة آلاف (٤٠٠٠) سنة على حال واحد في اكتساب الفضائل و المزايا التي تميّز بها على غيره، و التراتيب و العادات الخاصّة به».
و من حجج ذلك أنّ الوقت الذي كانت فيه الممالك القديمة في مبدإ تكوينها ذات حيرة، كان هذا الجنس إذ ذاك قائما بنفسه، قادرا على الإغارة على غيره، فقد كانت ملوك مصر و بابل من ذلك الجنس مدّة تسعة عشر (١٩) قرنا قبل التاريخ المسيحي. ثمّ بعد أن رجع إلى حدوده الأصلية دافع عن نفسه سلطة الفراعنة و ملوك الشّام، و امتنع من تسلّط قيرس [٩٣] و إسكندر، و دام في استقلاله ضدّ الرومان الذين كانوا ملكوا الدنيا».
«و بعد ظهور النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- الذي جمع قبائل العرب أمّة واحدة، تقصد مقصدا واحدا، ظهرت للعيان أمّة كبيرة مدّت جناح ملكها من نهر طاج في إسبانيا إلى نهر القانج في الهند. و رفعت على منار الإشادة أعلام التمدّن [٢٩] في أقطار الأرض أيّام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسّطة، كأنّها نسيت بالمرّة ما كان عندها من التمدّن الرّوماني و اليوناني».
[٩٣] قيرس:Cyrus ، ملك الفرس (٥٥٨ ق. م.) ابن قمبيز، كان مسيطرا على آسيا الغربية.