أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١١٥ - استشهاد بالمنقول و المعقول على أن مشاركة أهل الحل و العقد لا تضيق من سعة تصرف الملك
المالك الحقيقي، فيلزمه الرجوع لرأيهم في المثالين، و إلّا توجّه اللّوم إليه و استحقّ أن يحجّر عليه. و هل يقال حينئذ: «إنّ ذلك تضييق على ربّ البستان؟ بل إنّ التوسعة عليه مضادّة للحكمة الإلهية في إيجاد العالم، و استعمار أرضه ببني آدم. هذا مع أنّ منفعة البستان مختصّة بربّه. أمّا إذا كانت له و لغيره، أو منزلته فيها- كما قال عمر رضي اللّه عنه- «كمنزلة والي اليتيم» فأحرى أن لا يتوهّم أن ذلك تضييق عليه.
و معلوم أنّ تصرّف الإمام في أحوال الرعيّة لا يخرج عن دائرة المصلحة، و أنّ القيام بمصالح الأمّة و تدبير سياستها ممّا يتيسّر لكلّ أحد، فتعطيل الإرادة حينئذ إنّما يقع في شيء خارج عن دائرة التصرّف المسوّغ له.
فتحرّر بما شرحناه اندفاع ذلك القيل، و أنّه لا مانع من التشريك على الوجه المذكور. و من لاحظ جانب المقتضى- كما لاحظه الشيخ ابن العربي- فيما قدّمناه عنه، و هو ملحظنا في جميع ما أسلفناه، لم يتوقّف في الجزم بتعينه لا سيّما في هذا الزمان الذي قلّ فيه العرفان، و كثر الطغيان.
و قد كانت وقعت بيني و بين أحد أعيان أوروبا مكالمة أسهب فيها بمدح ملكهم، و ذكر ما له من مزيد المعرفة بأصول السياسة حتّى قال: «إنّه متقيّد بطبعه [١٨] و عقله عن سلوك غير منهاج الصواب» فقلت له: «كيف تشاحّونه في الحريّة السياسيّة، و ترومون مشاركته في الأمور الملكية، و الحال أنّكم تسلّمون له من الكمالات ما لا يحتاج معه إلى المشاركة؟» فأجابني بقول:
«من يضمن لنا بقاءه مستقيما و استقامة ذرّيته بعده؟» [٥١].
[٥١] من قوله: «و قد كانت وقعت بيني و بين أحد أعيان أوروبا ...» إلى قوله: «من بعده» أورد هذه الفقرة ابن أبي الضياف منسوبة إلى خير الدين، إتحاف، جI ، ص ٣٣، قال:
«سمعت من صاحبنا الوزير الذكي الفاضل أبي محمّد خير الدين- و قد طال مقامه في باريز لخدمة ملكية- قال:
«فاوضت بعض أعيانها- و قد طفق يثني على سلطانهم في هذا العصر و هو نابليون الثالث- حتى قال: إنّه من أفراد الملوك، المقيّدين- بطباعهم و عقولهم- من غير المصلحة، لا يدانيه في ذلك أحد من وزرائه، فقلت له: حيث كان بهذه الدرجة، فلم يشاحّونه في اعتبار ما لا يضرّ من القانون؟ فقال لي مبتسما: نعم هو بهذه الصفة، و هل يضمن أحد أنّه يدوم على هذا الخلق النفيس، أو يكون ابنه مثله في هذا الوصف؟» آه.